MENA Fem Movement for Economical, Development and Ecological Justice

من يقرر شكل الاقتصاد؟ تأملات نسوية حول المؤسسات المالية الدولية والنضال من أجل نظام عادل

بقلم إيمان شريف - مستشارة في مجال البحوث والعدالة الاقتصادية - حركة مينافيم

هذا العام، أثناء سفري إلى واشنطن لحضور اجتماعات الربيع ثم منتدى تمويل التنمية، فكرت طويلا في : ما الذي يجب أن نستخلصه كحركة نسوية من هذه المحافل؟ ما الذي نستطيع تغييره حقاً؟ هل نحن هناك فقط للرد على ما يناقشه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أم أننا قادرون أيضاً على تغيير شروط النقاش؟

بدا هذا السؤال أكثر إلحاحًا في سياق عالمي تتسم فيه الحرب على إيران ولبنان وفلسطين، حيث لا تنفصل العسكرة والدمار والتوترات الجيوسياسية عن الحوكمة الاقتصادية، بل تتشابك معها بعمق. تعيد هذه الأزمات تشكيل الأولويات المالية، وتوجه الموارد نحو الإنفاق العسكري، وتقيّد بشكل أكبر المجال السياسي المحدود بالفعل للبلدان في الجنوب العالمي.

بالنسبة لي، تبدأ الإجابة بفكرة أكررها كلما سنحت لي الفرصة: “الديمقراطية” ليست اختياريّة وليست ترفا. لا على المستوى الوطني ولا الدولي، وهذا ينطبق على مجال الحوكمة الاقتصادية العالمية. بصفتي كاقتصاديّة، لطالما شعرت بعدم الارتياح تجاه فكرة أن التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان يمكن التعامل معها كأهداف منفصلة، أو حتى كمقايضات. فالسياسات الاقتصادية ليست محايدة. إنها توزع الموارد والمخاطر والسلطة.

لهذا السبب أعتقد أن البنية المالية الدولية هي قضية نسوية. فالقواعد العالمية المتعلقة بالديون والسيولة والضرائب والاستجابة للأزمات تشكل الحيز المالي للحكومات، وهذا الحيز المالي يحدد ما إذا كان بإمكان الدول الاستثمار في أنظمة الرعاية والحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والخدمات العامة. وعندما يكون هذا الحيز محدوداً، فإن النساء، ولا سيما في بلدان الجنوب، هن اللواتي يتحملن الصدمة من خلال العمل غير مدفوع الأجر في مجال الرعاية، والعمالة غير المستقرة، وتقلص فرص الحصول على الخدمات.

نظام الحصص والحوكمة: مسألة شرعية

مازالت مسألة الحصص وحوكمة الصندوق تحتل مكانة بارزة خلال اجتماعات الربيع. فبعد مرور ثمانين عاماً على اتفاق بريتون وودز، لا تزال التفاوتات في توزيع القوة راسخة بعمق. فالتمثيل المفرط لأوروبا والتأثير غير المتناسب للولايات المتحدة ليسا مشكلتين مجردتين؛ بل إنهما يحددان السياسات التي يتم الترويج لها، والمخاطر التي تُعطى الأولوية لها، والأصوات التي يُؤخذ بها.

وبالتالي، فإن إصلاح نظام الحصص هو مسألة شرعية. ولم تعد التغييرات التدريجية كافية. لقد طال انتظار إعادة تنظيم عادلة وشفافة. إن استعادة الأصوات الأساسية، ورفض المقترحات التي تربط حق التصويت بالمساهمات الطوعية، وكسر الترتيبات القيادية القديمة هي خطوات دنيا. ولكن بعيداً عن حصص التصويت، فإن الحوكمة تتعلق أيضاً بالمشاركة. إن مراجعة صندوق النقد الدولي لتفاعله مع المجتمع المدني هي فرصة، ولكنها لا يمكن أن تظل رمزية. لا ينبغي الاكتفاء باستشارة الحركات النسوية والمجتمعات المتضررة، بل يجب أن تكون جزءاً من تشكيل النقاشات الاقتصادية.

الرقابة وسياسات مشاورات الموازنة

لا تزال مشاورات المادة الرابعة من بين أكثر أدوات صندوق النقد الدولي تأثيراً، ومع ذلك لا تزال المشورة المقدمة متفاوتة. فمن المرجح أن تتلقى الاقتصادات المتقدمة توصيات معاكسة للدورة الاقتصادية، في حين غالباً ما تُدفع البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط نحو تحقيق التوازن المالي، حتى في السياقات الهشة. 

ويترجم ذلك إلى انخفاض فرص الحصول على الخدمات العامة، وزيادة الاعتماد على الضرائب التنازلية، وتحويل التكاليف إلى الأسر. ويتزايد عبء الرعاية غير المدفوعة الأجر، وتتعمق أوجه عدم المساواة. ورغم تزايد الإشارات إلى عدم المساواة، والنوع الاجتماعي، والمناخ في تقارير صندوق النقد الدولي، فإنها تظل هامشية بالنسبة للتوصيات السياساتية الأساسية، ونادراً ما تؤدي إلى مسارات اقتصادية كلية بديلة. وبدون دمج تحليل الأثر التوزيعي والنوعي بشكل منهجي، فإن المراقبة تخاطر بتعزيز أوجه عدم المساواة ذاتها التي تدعي معالجتها.

القدرة على تحمل الديون أم الاستدامة الاجتماعية؟

يثير استعراض «تقييم الاستدامة في البلدان منخفضة الدخل» (LIC-DSA) مخاوف مماثلة. غالبًا ما يُنظر إلى تحليل القدرة على تحمل الديون على أنه مسألة فنية، لكنه في الواقع يحدد نطاق السياسات في بلدان بأكملها. وإذا عُرِّفت الاستدامة بشكل أساسي على أنها القدرة على السداد، فإن الاحتياجات الاجتماعية والتنموية تُهمَّش. فهل يمكن اعتبار الديون مستدامة إذا كانت تقوض أنظمة الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والقدرة على التكيف مع تغير المناخ؟ يجب أن تشمل الاستدامة قدرة الدول على تلبية احتياجات الناس والاستثمار في المستقبل. وإلا، فستستمر أطر الديون في تبرير سياسات التقشف مع تجاهل تكاليفها الاجتماعية.

وفي الوقت نفسه، تثير عملية المراجعة هذه مخاوفها الخاصة. من المنتظر أن يكون تقييم القدرة على سداد الديون للبلدان منخفضة الدخل (LIC-DSA) المنقح جاهزاً بحلول الاجتماعات السنوية لعام 2026، لكن بالنسبة للكثيرين منا المشاركين من المجتمع المدني، لا تزال المراجعة تبدو وكأنها صندوق أسود. يُطلب من منظمات المجتمع المدني تقديم مدخلات وتعليقات حول عملية لم يتم مشاركة محتواها بشكل ملموس. وهذا يثير أسئلة مهمة حول الشفافية والمشاركة، وحول معرفة من تُعتبر مهمة في تشكيل مثل هذا الإطار الحاسم.

العدالة الضريبية: ما وراء الحلول الفنية

بعد مسألة الديون، تصبح مسألة الضرائب أمراً لا مفر منه. نحن نتابع حالياً المفاوضات بشأن «اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للتعاون الضريبي الدولي»، والتي تمثل فرصة حاسمة. فالعدالة الضريبية لا تقتصر على تعديل القواعد الفنية فحسب، بل تتعلق بتغيير طريقة توزيع الموارد والسلطة. فالأنظمة الضريبية هي أنظمة سياسية؛ فهي تعكس من يتم فرض الضرائب على ثروته، ومن يتم تمويل احتياجاته.

وينعكس هذا أيضًا في نصائح صندوق النقد الدولي. غالبًا ما يتم تأطير الإصلاح الضريبي على أنه تعبئة للإيرادات وتوحيد مالي بدلاً من إعادة التوزيع أو العدالة بين الجنسين. ويكمن الخطر في أن الإصلاحات، حتى تلك المصممة جيدًا، تظل مقيدة بنظام يعطي الأولوية للاستقرار على حساب الإنصاف. ولهذا السبب، علينا أن نستمر في التساؤل عما إذا كانت المفاوضات الضريبية العالمية ستعالج مسألة تركيز الثروة، وتحوّل السلطة نحو بلدان الجنوب، وتولد الموارد بالقدر المطلوب لنظم الرعاية.

تمويل التنمية كمنبر للتغيير المنهجي

جمع منتدى تمويل التنمية بين هذه القضايا وأعاد التأكيد على أهمية الأمم المتحدة باعتبارها منبراً أكثر ديمقراطية للحوكمة الاقتصادية العالمية. فهي واحدة من الساحات القليلة التي يمكن فيها مناقشة قضايا الديون والضرائب وتمويل مكافحة تغير المناخ وعدم المساواة بطريقة منهجية. وهذا أمر مهم للحركات النسوية لأن الشؤون المالية العالمية لا يمكن أن تظل خاضعة لإدارة مجموعة صغيرة من الجهات الفاعلة.

وفي الوقت نفسه، لم تلبِ نتائج المنتدى، بما في ذلك ”التزام إشبيلية“، توقعات العديد من الجهات الفاعلة في المجتمع المدني بشكل كامل. ففي حين أعاد المنتدى التأكيد على مبادئ مهمة، إلا أنه قصر في الارتقاء بمستوى الطموح اللازم للتحول الهيكلي للبنية المالية الدولية. ولا تزال هذه الفجوة بين الخطاب والعمل تحدد حدود العمليات المتعددة الأطراف الحالية.

أصوات الدول المقترضة وقوتها الجماعية

تشهد اجتماعات الربيع لهذا العام الإعلان عن إنشاء «منصة الدول المقترضة». ورغم أن هذه المنصة لا تزال في مراحلها الأولى، ونحن في انتظار انضمام الدول الأعضاء المقترضة الصافية إليها رسمياً لتشكيل توجهها، إلا أن هذا الإعلان كان مثيراً للاهتمام بشكل خاص لمنظمات المجتمع المدني. فهو يشير إلى تحول محتمل نحو اتخاذ موقف جماعي أكثر قوة من جانب الدول المقترضة داخل النظام المالي الدولي.

تحتاج البلدان المقترضة إلى تنسيق وتعزيز صوتها الجماعي. وفي حين يُتوقع أن تضم المنصة وزراء المالية، وربما رؤساء البنوك المركزية، وخبراء فنيين في مجال الديون، فمن الضروري أن يكون الاقتصاديون السياسيون جزءاً من هذا الفضاء أيضاً. يجب ألا تصبح منصة المقترضين مجرد منصة للتبادل الفني أو لتبادل المعرفة حول الجوانب الفنية للديون. بل يجب أن تتناول الاقتصاد السياسي للديون، بما في ذلك قضايا السلطة، والشروط، وتأثيرات التوزيع، والمساءلة الديمقراطية. كما يجب أن تشمل المجتمع المدني والحركات النسوية والمجتمعات المتضررة. فقرارات الاقتراض تشكل حياة الناس، وبالتالي يجب أن يكون للناس رأي في هذا الشأن.

استعادة السردية

في النهاية، بين الطريقة التي ينظر بها صندوق النقد الدولي إلى دوره وولايته، والتي غالبًا ما تركز على تمكين الدول من الاقتراض بمبالغ أكبر أو تحمل المزيد من الديون، وبين احتياجات الناس والمطالب النسوية، أعتقد أن جزءًا من دورنا يتمثل في العمل على صياغة سرديّة تعبر عن نظرتنا النسويّة لنظام اقتصادي عالمي أكثر عدلا. نحن بحاجة إلى إجراء البحوث، وجمع الأدلة حول الآثار المترتبة على الديون والسياسات الاقتصادية الكلية في مجال حقوق الإنسان، والاستمرار في التأكيد بثبات على ضرورة وجود نظام اقتصادي بديل.

علينا الإصرار على أن الديمقراطية ليست اختيارية، وأن الرعاية هي أساس اقتصاداتنا، وأن الحيز المالي شرط للكرامة والعدالة. بدون تحول هيكلي، ستظل الالتزامات بالمساواة بين الجنسين مجرد حبر على ورق. من خلال العمل النسوي الجماعي، يمكننا مواصلة دفع النقاش نحو نظام يخدم الناس والكوكب حقاً.