
مارية السيد
تضاؤل الحيز المتاح لالتقاط الأنفاس
عندما ألقت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، كلمتها بعنوان «إعادة بناء الهوامش الوقائية دون ترف إضاعة الوقت»، بدت رسالتها وكأنها غير قابلة للتفاوض: لم يعد بوسع الحكومات تحمّل تجاهل الارتفاع المتواصل في الدين العام. وحذّرت قائلة: «إن ارتفاع مستويات الدين والعجز يضعف قدرة البلدان على امتصاص الصدمات، وقد يؤدي أيضًا إلى التضخم»، مضيفةً أن النمو الاقتصادي وحده لا يستطيع عكس مسارات تصاعد الدين بالسرعة الكافية ما لم يُدعَم بجهد على صعيد المالية العامة.
يأتي هذا التحذير في لحظة بالغة الهشاشة. فبعد سنوات من الاضطرابات الناجمة عن الجائحة، والضغوط التضخمية، والصراعات الجيوسياسية، تواجه الحكومات ارتفاعا في تكاليف الاقتراض، بالتوازي مع تزايد المطالب بتوفير الدعم العام. غير أن السؤال الأكثر تعقيدا، الكامن وراء دعوة صندوق النقد الدولي إلى ضبط المالية العامة، هو: كيف يمكن للحكومات استعادة الاستقرار المالي من دون نقل تكاليف الأزمات العالمية إلى الفئات الأقل قدرة على تحمّلها؟
يكشف هذا التوتر عن التحدي الجوهري الذي تواجهه عملية صنع السياسات الاقتصادية السائدة. فقد يكون الانضباط المالي ضروريًا، لكن نتائجه تتوقف على من يتحمل أعباءه، وأوجه الإنفاق التي يجري تقليصها، ومدى قدرة الحكومات على حماية المقومات الأساسية للنمو في المستقبل.
فخ الديون: عندما يصبح الاقتراض أكثر تكلفة
بات من الصعب بصورة متزايدة التغاضي عن حجم هذا التحدي. فوفقًا لتقرير الراصد المالي الصادر عن صندوق النقد الدولي في أكتوبر 2026، بلغ الدين العام العالمي نحو 94 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، ومن المتوقع أن يقترب من 100 في المائة بحلول عام 2029. وفي الوقت نفسه، ارتفعت تكاليف الاقتراض في الاقتصادات المتقدمة الرئيسية.
وفي أكتوبر 2026، سلّط خبيرا صندوق النقد الدولي إيرا دابلا-نوريس ورودريغو فالديس الضوء على الكيفية التي يؤدي بها ارتفاع الدين إلى تعميق العلاقة بين السياسة المالية وأسعار الفائدة. فعندما ترتفع أسعار الفائدة، تواجه الحكومات المثقلة بأعباء الديون زيادات أكبر في تكاليف خدمة الدين. وقد يصبح المستثمرون أيضًا أكثر حساسية للتطورات المالية، ما قد يدفعهم إلى المطالبة بعوائد أعلى للتعويض عن المخاطر المتصوَّرة.
وينشأ عن ذلك مسار مقلق ومتكرر: فارتفاع تكاليف الاقتراض يؤدي إلى اتساع العجز، واتساع العجز قد يزيد المخاوف بشأن استدامة الدين، وهذه المخاوف بدورها قد تجعل الاقتراض في المستقبل أكثر تكلفة.
وبالنسبة إلى الحكومات، تتجاوز تداعيات هذه المعادلة حدود الحسابات المالية. فالأموال المخصَّصة لسداد فوائد الدين لا يمكن إنفاقها، في الوقت نفسه، على المستشفيات أو المدارس أو البنية التحتية أو الحماية الاجتماعية. وكلما طال أمد هذه الضغوط، ضاق الحيز المتاح للاستجابة لصدمة اقتصادية جديدة.
وعليه فإن حجة المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، ليست خالية من المبررات الاقتصادية. فالهوامش المالية الوقائية، التي توفّر للحكومات الحيز المالي اللازم للاستجابة لحالات الطوارئ، تكتسب أهميتها تحديدًا لأن الأزمات نادرًا ما تأتي وفقًا للخطط الموضوعة في الميزانيات. غير أن إعادة بناء هذه الهوامش ليست مجرد تمرين تقني، بل هي أيضًا مسألة تتعلق بالأولويات السياسية والتبعات الاجتماعية.
مفارقة ضبط المالية العامة
يقر صندوق النقد الدولي بصعوبة عملية ضبط المالية العامة، ويوصي بوضع خطط موثوقة متوسطة الأجل، وتنفيذ إصلاحات هيكلية، وتقديم دعم موجَّه إلى الفئات السكانية الأكثر هشاشة. ومع ذلك، يتمثل التحدي العملي في تحديد كيفية ضبط البلدان لميزانياتها في ظل استمرار هشاشة الأوضاع الاقتصادية.
قد يؤدي خفض الإنفاق العام إلى تحسين الأوضاع المالية للحكومة، لكن التخفيضات العشوائية وغير الانتقائية يمكن أن تضعف الطلب، وتثبّط الاستثمار، وتقوّض الخدمات الأساسية. وإذا أدت تخفيضات الإنفاق إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي، فقد تتراجع الإيرادات الضريبية، ما يجعل خفض الدين أكثر صعوبة مما كان متوقعًا.
وهذه هي المفارقة الكامنة في صميم سياسات التقشف: فالسياسة التي يُفترض أن تعيد الاستقرار المالي قد تقوّض القدرة الاقتصادية اللازمة لتحقيقه، إذا لم تُصمَّم على نحو سليم أو نُفِّذت بوتيرة متسارعة أكثر من اللازم.
لذلك يعد التمييز بين الإنفاق المنتج، والإنفاق غير المنتج أمرًا بالغ الأهمية. فتحسين تحصيل الضرائب، وسد الثغرات التي تتيح التهرب أو التجنب الضريبي، وإلغاء الإعانات غير الموجَّهة على نحو سليم، وتعزيز إدارة المالية العامة، كلها تدابير قد تتيح توسيع الحيز المالي من دون تحميل الخدمات الأساسية العبء بأكمله. وفي المقابل، يمكن أن تؤدي التخفيضات في الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية إلى إضعاف الإنتاجية على المدى الطويل، وإلحاق أضرار غير متناسبة بالأسر ذات الدخل المنخفض.
وبناءً على ذلك، ينبغي تقييم ضبط المالية العامة ليس فقط على أساس حجم العجز الذي ينجح في تقليصه، بل أيضًا على أساس المقومات الاقتصادية والاجتماعية التي يحافظ عليها.
الاختلالات العالمية: الاقتصادات المتقدمة لا تعمل بمعزل عن غيرها
تكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة بالنسبة إلى الاقتصادات المتقدمة ذات الأهمية النظامية، إذ يمكن لقراراتها المالية أن تؤثر في الأوضاع المالية خارج حدودها بكثير.
فعندما تلجأ الاقتصادات الكبرى إلى الاقتراض بكثافة، يمكن للتغيرات في عوائد سنداتها أن تؤثر في القرارات الاستثمارية الدولية، وتكاليف التمويل، وأسعار الصرف. وقد تفرض الأوضاع المالية العالمية الأكثر تشددًا ضغوطًا إضافية على الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، ولا سيما البلدان التي تعتمد على الاقتراض الخارجي أو تكون عرضة لتدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج.
غير أن المشكلة تتجاوز ميزانيات الحكومات. فالاختلالات العالمية تعكس أيضًا التباينات بين الادخار الخاص والاستثمار، فضلًا عن استمرار الفوائض والعجوزات التجارية. فالبلدان التي يقل فيها الاستهلاك والاستثمار عما تنتجه قد تراكم فوائض خارجية، في حين قد تعتمد البلدان التي يتجاوز إنفاقها مدخراتها على الاقتراض ورؤوس الأموال الأجنبية.
ومن ثم، فإن معالجة هذه الاختلالات تتطلب في الواقع أكثر من مطالبة البلدان التي تعاني عجزًا بخفض الإنفاق. فقد تحتاج الاقتصادات ذات الفوائض أيضًا إلى اعتماد سياسات تشجّع الاستهلاك المحلي، والاستثمار المنتج، وتعزيز الطلب الداخلي. وقد شدّد صندوق النقد الدولي نفسه على ضرورة أن تشمل عملية التصحيح البلدان ذات الفوائض والبلدان ذات العجوزات على حد سواء.
ومن دون هذا التنسيق، يخاطر ضبط المالية العامة بأن يصبح عملية غير متكافئة، تحتفظ فيها بعض الاقتصادات بهامش أوسع للمناورة، بينما تتحمل اقتصادات أخرى التكاليف من خلال تراجع الاستثمار، وارتفاع تكلفة الدين، وتباطؤ التنمية.
الكلفة الإنسانية للصدمات الاقتصادية
تتجلى العواقب بصورة أوضح في البلدان النامية، حيث تتصادم القيود المفروضة على المالية العامة مع الاحتياجات المعيشية المباشرة للأسر.
ويحذّر صندوق النقد الدولي من أن البلدان منخفضة الدخل المتضررة من صدمة الطاقة الناجمة عن الحرب على إيران تواجه خيارات صعبة، وقد تضطر بعضُها إلى خفض الإنفاق أو إعادة هيكلة الديون. وأشارت بيتيا كويفا بروكس، نائبة مدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي، إلى أن الصدمات العالمية المتكررة رفعت مستويات الدين بصورة كبيرة، في الوقت الذي جعلت فيه التضخم مشكلة مستمرة.
كما حذّرت من أن ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية اليومية، بما فيها المشروبات والأرز، قد يؤدي إلى اتساع نطاق «تأثير الدومينو».
وتجسّد باكستان هشاشة الاقتصادات المعرضة لارتفاع تكاليف الطاقة المستوردة، والضغوط الناجمة عن أسعار الغذاء، ومحدودية الحيز المالي. فعندما ترتفع أسعار الوقود، قد تزداد تكاليف النقل والإنتاج، ما ينعكس على أسعار السلع الأساسية. وعندئذٍ، تتراجع القدرة الشرائية للأسر، بينما تجد الحكومات نفسها مضطرة إلى تحديد حجم المساعدة التي تستطيع تحمّل تكلفتها.
وتتسم هذه المعضلة بقدر كبير من التعقيد. فالإعانات الواسعة النطاق قد تفرض تكاليف مالية باهظة، وقد تعود بالنفع على المستهلكين الأكثر ثراءً بصورة غير متناسبة. غير أن سحب الدعم بصورة مفاجئة قد يترك الأسر ذات الدخل المنخفض تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.
وتسعى أفضلية صندوق النقد الدولي للإعانات المحدودة والمؤقتة والموجَّهة إلى التوفيق بين هذه المطالب المتعارضة. لكن الاستهداف الفعّال يتطلب قدرات إدارية، ومعلومات موثوقة، وآليات لتقديم الدعم في الوقت المناسب؛ وهي شروط قد يصعب توفيرها في أثناء الأزمات.
ويتمثل السؤال الأعمق في ما إذا كان من المعقول توقّع أن تتمكن البلدان النامية من إعادة بناء هوامشها المالية الوقائية، في الوقت الذي تتحمل فيه، بالتزامن، صدمات خارجية لا تملك سوى قدرة محدودة على منعها.
وتظهر أزمة منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا بصورة إضافية مدى السرعة التي يمكن بها للصدمات الخارجية أن تقوّض الخطط الاقتصادية المحلية. وتشير التقارير إلى أن صندوق النقد الدولي توقّع انكماش الناتج الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان بنسبة 1.3 في المائة في عام 2026، في انعكاس لتأثيرات الحرب على إنتاج الطاقة، والشحن، والسياحة، والتجارة.
ولا تقتصر التداعيات على البلدان المنخرطة مباشرة في الصراع. إذ يمكن لاضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الطاقة أن يزيدا الضغوط التضخمية في مناطق أخرى، ما يعقّد مهمة البنوك المركزية ويزيد الضغط على ميزانيات الحكومات.
وفي هذا السياق، تكتسب دعوة غورغييفا إلى الإصلاح الهيكلي أهمية كبيرة، لكنها تظل صعبة التنفيذ أيضًا. فالحكومات تحتاج إلى توسيع القدرات الإنتاجية، غير أن ذلك يستلزم الاستثمار في الحماية الاجتماعية، والصحة، والقدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ، والتعليم.
وبالتالي لا يمكن قياس القدرة على الصمود الاقتصادي بالاستناد إلى القدرة على خفض العجز وحدها، بل يتطلب الأمر أيضا القدرة على مواصلة تقديم الخدمات الأساسية، وحماية الأسر الأكثر هشاشة، ودعم التعافي عندما تتفاقم الصدمات الخارجية.
الخاتمة: يجب أن يخدم الانضباط المالي القدرة على الصمود الاقتصادي
تعكس دعوة صندوق النقد الدولي إلى إعادة بناء الهوامش المالية الوقائية مصدر قلق حقيقيًا: فالحكومات المثقلة بالديون تمتلك حيزًا أضيق للاستجابة للأزمات، في حين يمكن لارتفاع أسعار الفائدة أن يفاقم مواطن الضعف القائمة. ومن شأن تجاهل هذه الضغوط أن يعرّض الاقتصادات لمزيد من عدم الاستقرار المالي.
ومع ذلك فإن الانضباط المالي ليس غاية في حد ذاته. بل ينبغي أن يكون هدفه تعزيز قدرة الاقتصادات على الصمود أمام الصدمات المستقبلية، من دون التضحية بالشروط اللازمة لتحقيق التنمية والنمو الشاملين. ويتطلب ذلك اعتماد نهج أكثر توازنًا يقوم على وضع خطط مالية موثوقة، وإرساء نظام ضريبي أكثر عدالة وفعالية، وتوجيه الاستثمار العام المنتج نحو القطاعات التي تعطي الأولوية للرفاه، بما يتجاوز مجرد النمو الاقتصادي، فضلًا عن التنسيق لمعالجة الاختلالات المستمرة في الادخار والاستثمار والتجارة.
كما يتطلب هذا النهج الإقرار بأن الاقتصادات المتقدمة والبلدان النامية لا تدخل عملية التكيف هذه وهي تمتلك الموارد المالية نفسها أو تواجه الدرجة ذاتها من التعرض للصدمات العالمية.
وفي نهاية المطاف، لا يتمثل السؤال في ما إذا كان ينبغي للحكومات إعادة بناء هوامشها المالية الوقائية، بل في كيفية القيام بذلك، ومن ينبغي أن يجني ثماره. فقد ينجح بلد ما في تقليص عجزه المالي، بينما يصبح سكانه أكثر عرضة للمخاطر، وتضعف خدماته العامة، وتتراجع آفاق نموه.
إن الاختبار الحقيقي للمسؤولية المالية لا يكمن ببساطة في قدرة الحكومات على موازنة حساباتها اليوم، بل في ما إذا كانت السياسات التي تعتمدها تجعل المجتمعات أكثر استعدادًا لمواجهة أزمات الغد.