لا يمكن للعدالة الجندرية أن تتحقق في عالم تحكمه الحروب والديون والاستخراج
يمثل هذا المقال البيان الختامي لحملة مينافيم خلال شهر مارس بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، والتي جاءت تحت عنوان العدالة الجندرية في عالم غير متكافئ: الحروب والتقشف وأزمات الديون. خلال هذا الشهر فتحت مينافيم نقاشًا جماعيًا حول معنى العدالة في منطقتنا، ليس فقط بوصفها مسألة قانونية، بل بوصفها قضية ترتبط بالاحتلال والعسكرة والديون والانهيار البيئي وتضييق المجال المدني. وما كشفته هذه الحملة بوضوح هو أن العدالة الجندرية لا يمكن تحقيقها داخل النظام العالمي القائم بصورته الحالية.
خلال الأسابيع الماضية طرحنا سؤالًا بسيطًا: ماذا تعني العدالة في منطقة تتشكل حياتها تحت الاحتلال والعسكرة وأزمات الديون وسياسات التقشف؟ ومع كل مقال أصبح الجواب أكثر وضوحًا. العدالة ليست فقط الوصول إلى المحاكم، بل تتعلق بمن يملك الأرض، ومن يتحكم في الموارد، ومن يحدد أولويات الإنفاق العام، ومن يرسم مستقبل المجتمعات.
في فلسطين والسودان ولبنان، ومع تصاعد التوترات الإقليمية، لا تتحمل النساء فقط كلفة العنف المباشر، بل يتحملن عبء إبقاء الحياة ممكنة في ظل انهيار الخدمات العامة واتساع الإنفاق العسكري. وفي الوقت نفسه، تستمر برامج التقشف المرتبطة بالمؤسسات المالية الدولية في نقل كلفة الأزمات إلى داخل المنازل، حيث تتحمل النساء العبء الأكبر من العمل غير المدفوع.
وجاءت مخرجات لجنة وضع المرأة الأسبوع الماضي لتعيد إنتاج الخطاب نفسه حول “الوصول إلى العدالة” باعتباره مسألة إصلاحات قانونية فقط. والأخطر من ذلك أن النقاشات شهدت إعادة فتح الجدل حول تعريف مفهوم “النوع الاجتماعي” نفسه، عبر محاولات لتضييق معناه وتقويض ما حققته الحركات النسوية من مكاسب داخل منظومة الأمم المتحدة على مدار عقود. وعندما يصبح تعريف الجندر ذاته محل نزاع، فإن ذلك لا يعكس تقدمًا بل تراجعًا سياسيًا واضحًا.
قرار يتحدث عن العدالة دون مواجهة الحروب والاقتصاد الاستخراجي وأنظمة الديون واللامساواة البنيوية، هو قرار يحوّل العدالة إلى مسألة تقنية بدلًا من كونها قضية سياسية.
من منظور نسوي في منطقتنا، العدالة مرتبطة بالسيادة:
السيادة على الجسد،
السيادة على الأرض،
السيادة على الطاقة،
السيادة على القرار الاقتصادي،
والسيادة على الحق في تقرير المصير.
العدالة تعني أيضًا مواجهة النظام المالي العالمي الذي يفرض سداد الديون قبل حماية المجتمعات، والتقشف قبل الرعاية، والاستقرار قبل الكرامة. لم تكن هذه الحملة مجرد مساحة للنقد، بل محاولة لاستعادة معنى العدالة نفسه.
فالعدالة إعادة توزيع للثروة.
والعدالة تفكيك للعسكرة.
والعدالة إعادة هيكلة للديون.
والعدالة مساءلة مناخية.
والعدالة اعتراف بدور النساء كفاعلات سياسيات يصنعن بدائل للمستقبل.
فالعدالة الجندرية ليست شعارًا. بل معركة على السلطة… ولن نتراجع عنها.