ورشة “التحول الطاقي والهيدروجين الأخضر: المساءلة والتحولات العادلة” – حركة مينافيم
جاء انعقاد ورشة “التحول الطاقي والهيدروجين الأخضر: المساءلة والتحولات العادلة” في لحظة إقليمية تثقلها تحديات مركبة، حيث ضغوط مناخية متصاعدة، وزحف سريع لنماذج الطاقة النظيفة، وتداخل عميق بين السياسات الاقتصادية والتمويل الدولي وحقوق المجتمعات المحلية. وقد وفّرت الورشة مساحة نادرة للنقاش المعمّق بين باحثين وناشطين وخبراء من المنطقة حول ما يعنيه هذا التحول فعليًا على الأرض، بعيدًا عن اللغة التقنية والمتخصصة التي غالبًا ما تطرح هذه التحولات بوصفها مسارًا حتميًا غير قابل للنقد والتداول. سعت الورشة خلال جلساتها إلى تفكيك العلاقة بين التحول الطاقي، ومشروعات الهيدروجين الأخضر، ودور مؤسسات التمويل الدولية، وإمكانيات المساءلة الشعبية، واضعة سؤال العدالة في قلب كل نقاش.
أولًا: التحول الطاقي وإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع
قدّمت شيرين طلعت، مؤسسة ومديرة حركة مينافيم، عرضًا يؤطر التحول الطاقي باعتباره عملية سياسية واجتماعية قبل أن يكون تقنية خضراء. أشارت إلى أن الخطاب السائد حول الانتقال إلى الطاقة النظيفة يُخفي علاقات القوة التي تحكمه، سواء على مستوى الدولة أو المؤسسات المالية الدولية التي توجّه سياسات الطاقة من خلال التمويل والمشروطية. وركّز العرض على أن مشاريع الطاقة المتجددة في المنطقة ومنها الهيدروجين الأخضر، فيتم تصميمها غالبًا وفق احتياجات الأسواق الخارجية لا وفق أولويات المجتمعات المحلية، مما يجعل التحول الطاقي امتدادًا لبنى الهيمنة الاقتصادية. بهذا المعنى، وضعت شيرين إطارًا نظريًا يربط بين التحول الطاقي، والعدالة الاجتماعية، وإمكانية مساءلة الجهات المموَّلة والمنفِّذة.
قدّمت سوزان ندا، محامية وعضوة مجلس أمناء حركة مينافيم، مثالًا ملموسًا من مصر يعكس ما طرحته شيرين نظريًا، من خلال عرض قضية تيتان في وادي القمر. أوضحت سوزان أن الانبعاثات الصناعية أدت لضرر صحي واسع بين السكان، وأن محاولاتهم للجوء إلى القضاء أو الحصول على تعويضات واجهت تعطيلًا طويلًا، بينما استمر النشاط الصناعي بلا رقابة فعالة. وجاءت هذه الحالة لتُظهر هشاشة المجتمعات عندما تكون آليات الشكاوى المحلية غير قادرة على حماية الناس، ولتكشف عن عدم تكافؤ القوة بين الشركات الكبرى والأهالي، وهو ما يجعل العنف البيئي جزءًا من بنية الإنتاج وليس مجرد أثر جانبي.
هكذا رسمت الجلسة الافتتاحية الأساس السياسي للورشة: أن التحول الطاقي ليس شرطًا أن يكون منصفًا، وأن العدالة لا تنتج تلقائيًا من التكنولوجيا، بل من السياسات والبنى التي تنظّمها.
ثانيًا: الهيدروجين الأخضر.. المغرب نموذجًا
انتقلت الورشة في جلستها الثانية إلى المغرب لكونها إحدى أهم ساحات سباق الهيدروجين الأخضر في المنطقة. قدّم مصطفى محيي، باحث دكتوراه في جامعة رايس بالولايات المتحدة متخصص في أنثروبولوجيا الطاقة، عرضًا مزج بين التاريخ والتكنولوجيا والسياسة، ليكشف أن الهيدروجين ليس طاقة المستقبل بقدر ما هو تقنية قديمة تُعاد تعبئتها كلما احتاجت المنظومة العالمية إلى إعادة هندسة أسواق الطاقة. فمن أزمة النفط عام 1973 إلى اتفاق باريس 2015، ثم الحرب الروسية–الأوكرانية، كانت التكنولوجيا نفسها ثابتة، بينما الذي تغيّر هو السياقات التي تستحضرها.
ومع إعلان الاتحاد الأوروبي أهدافه الطموحة لاستيراد الهيدروجين الأخضر، ظهر المغرب كموقع محوري لتلبية الطلب الأوروبي، مدعومًا بخريطة طريق وطنية تضع التصدير في مركز الرؤية، وشراكات مع شركات متعددة الجنسيات، ومشروعات واسعة تستخدم مساحات شاسعة من الأراضي. لكن، كما كشف العرض، فإن هذا التحول يأتي محمّلًا بتناقضات صارخة. فبلد يعاني أصلًا من ندرة المياه يوجّه موارد مائية ضخمة لمشروعات تخدم أسواقًا خارجية، بينما يحتاج إنتاج كيلوغرام واحد من الهيدروجين إلى تسعة لترات من المياه النقية. المشاريع المخطط لها في المغرب ستستهلك ما يساوي استخدام أكثر من مئة ألف شخص سنويًا، في وقت يقترب فيه نصيب الفرد من خط الفقر المائي.
أما على مستوى الوظائف، فتظهر تحديات لا تقل حدة. فالهيدروجين الأخضر قطاع عالي التقنية، يتطلب مهارات تخصصية ولا يوفر فرصًا واسعة للمجتمعات المحلية، ما يعيد طرح السؤال حول المكاسب الفعلية التي يحصل عليها الناس مقابل التنازلات البيئية والاجتماعية. هكذا بدا الهيدروجين الأخضر، في صورته المطروحة اليوم، أقرب إلى اقتصاد استخراجي جديد، يختلف عن استخراج النفط والغاز في المادة الخام، لكنه يعيد إنتاج نفس البنية: تحويل الأراضي والموارد إلى أدوات لخدمة مستخدمين خارجيين، مع هشاشة محلية تتسع بدلًا من أن تنحسر.
ثالثًا: آليات المساءلة العابرة للحدود ودور المؤسسات المالية الدولية
قدّم فريق آلية الشكاوى في البنك الأوروبي للاستثمار واحدة من أهم جلسات الورشة، لأنها كشفت البنية التي تُدار عبرها المشروعات الضخمة العابرة للحدود، وكيف يمكن للمجتمعات المتضررة، حتى في سياقات سياسية ضاغطة، أن تجد مدخلًا للمساءلة. أوضح العرض أن الآلية ليست مسارًا قضائيًا، لكنها تتمتع بدرجة من الاستقلال تسمح لها بفتح ملفات شكاوى ضد البنك نفسه في حال عدم التزامه بسياساته البيئية والاجتماعية. تميّز الآلية بانخفاض عتبة تقديم الشكاوى؛ إذ يمكن لأي فرد، من أي مكان، تقديم شكوى دون الحاجة لإثبات علاقة مباشرة بالمشروع. وهذا التفصيل بالغ الأهمية في المنطقة العربية، حيث تضيق مساحات الحركة أمام المجتمعات، ويصعب الوصول للمعلومات أو التأثير في مسارات اتخاذ القرار.
استعرض الفريق تجربتين مفصليتين، كانت الأولى من سريلانكا، حيث أدى مشروع للصرف الصحي إلى انهيارات في المنازل وتلوث وروائح كريهة، وانتهى المسار بوساطة رسمية وإعادة إسكان للأسر المتضررة. والثانية من المغرب، في مشروع “زناتة”، الذي كشف عن هشاشة اجتماعية هائلة لدى الأسر التي هُجّرت قسرًا من مساكنها، مع فقدان سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وغياب الدعم خلال الانتقال. أظهرت المراجعة أن عدم الامتثال لم يكن مجرد خلل إداري، بل مسارًا من الأذى الهيكلي الذي تتحمله الفئات الأكثر هشاشة.
طرحت الجلسة أيضًا مسألة الانتقام من المشتكين باعتبارها الخطر الأكثر توتيرًا لمسارات المساءلة. فقد أوضح فريق البنك أن حماية المشتكين جزء أساسي من العملية، وأن ترهيب الأهالي يسقط فكرة المساءلة من أساسها. هذه النقطة عابرة للحدود، وتلامس مباشرة واقع المنطقة العربية، حيث قد يكون مجرد تقديم شكوى فعلًا محفوفًا بالمخاطر.
رابعًا: تأملات في مستقبل الطاقة العادلة في المنطقة
اختتمت الورشة بجلسة حوارية مفتوحة أتاحت للمشاركات؟ين إعادة النظر في الأسئلة التي صاحبت اليوم بأكمله. وقد بدا واضحًا أن التحول الطاقي، كما يتشكل اليوم، قد يقود المنطقة إلى مسار مزدوج، فإمّا فرصة تاريخية لإعادة بناء علاقة متوازنة بين الموارد والناس، أو إعادة إنتاج للهشاشة وعدم المساواة تحت لافتة الاستدامة.
تكشف الورشة، في مجملها، عن أن مستقبل الهيدروجين الأخضر في المنطقة ليس مجرد سؤال تقني، بل سؤال سيادي واجتماعي وبيئي في الوقت نفسه. فبين طموحات الدول للانخراط في الاقتصاد الأخضر، وضغوط الأسواق الأوروبية، وندرة الموارد، وتاريخ طويل من عدم المساواة، يتحدد شكل التحول القادم. تفتح هذه الورشة بابًا لمرحلة جديدة من التفكير والعمل، تُعيد وضع المجتمعات في قلب النقاش، وتُصرّ على أن الاستدامة لا يمكن أن تتحقق دون مساءلة، ولا يمكن أن تكون خضراء إلا إذا كانت عادلة.
🎥 تسجيل جلسات الورشة (Zoom):
https://shorturl.at/sHoHG
Passcode: ps!c2Q&3