MENA Fem Movement for Economical, Development and Ecological Justice

ماذا نعني بالعدالة؟

عندما تتحدث المؤسسات الدولية عن “الوصول إلى العدالة للنساء والفتيات”، غالبًا ما يُحصر النقاش في إصلاح القوانين وتحسين أداء المحاكم وتوسيع نطاق المساعدة القانونية. غير أن هذا التعريف الضيق يخفي حقيقة أساسية: فالظلم الذي تعيشه النساء لا ينتج في الواقع عن غياب القوانين فحسب، بل عن بنى سياسية واقتصادية واجتماعية كاملة تنظّم توزيع السلطة والموارد داخل المجتمع.
فالعدالة، في معناها الحقيقي، لا تعني فقط محاسبة مرتكبي الانتهاكات، بل تعني أيضًا فهم الشروط التي سمحت بوقوع هذه الانتهاكات أصلًا. وهي تعني النظر إلى العنف ليس كحادثة فردية معزولة، بل كنتيجة مباشرة لعلاقات قوة غير متكافئة وأنظمة اقتصادية وسياسية تنتج التمييز والإقصاء بشكل مستمر.
لقد أظهرت التجارب التاريخية أن نظم العدالة التقليدية كثيرًا ما فشلت في رؤية الواقع الكامل للضحايا، خصوصًا النساء. ففي العديد من القضايا الدولية، جرى تجاهل الأبعاد الجندرية للجرائم أو التقليل من شأنها. فالعنف الجنسي في النزاعات المسلحة، على سبيل المثال، عومل لسنوات طويلة كأثر جانبي للحرب، لا كجريمة ممنهجة تستهدف النساء وأجسادهن ومكانتهن داخل المجتمع. كما أن جرائم أخرى، مثل الاختفاء القسري أو التهجير أو الاعتقال التعسفي، غالبًا ما جرى التعامل معها قانونيًا دون فهم آثارها المختلفة على النساء والأطفال وعلى العلاقات الاجتماعية داخل المجتمعات.
لكن لا ينفصل العنف الذي تواجهه النساء عن السياقات السياسية والاقتصادية الأوسع. ففي مناطق عديدة من العالم، تتقاطع الحروب مع الأزمات الاقتصادية وسياسات التقشف وتراكم الديون، ما يؤدي إلى تآكل الخدمات العامة وتفكك أنظمة الحماية الاجتماعية. وعندما تنهار هذه الأنظمة، تنتقل كلفة البقاء إلى داخل المنازل، حيث تتحمل النساء العبء الأكبر من خلال العمل غير المدفوع في الرعاية وإدارة الحياة اليومية للأسر.
في سياقات الحرب والنزاع، يتضاعف هذا العبء بشكل كبير. فمع تدمير البنى التحتية وتراجع الخدمات الأساسية، تتحول مهام الرعاية إلى عمل بقاء يومي في ظروف شديدة الخطورة. وكلما ازداد العمل غير المدفوع المفروض على النساء في هذه الظروف، ازداد أيضًا تعرضهن لمختلف أشكال العنف والانتهاكات، سواء داخل المجال الخاص أو في الفضاءات العامة المرتبطة بتأمين احتياجات الحياة. وهكذا تدفع النساء ثمنًا مضاعفًا للحرب: ليس فقط بوصفهن ضحايا للعنف المباشر، بل أيضًا بوصفهن من يتحملن العبء الخفي لإبقاء الحياة ممكنة وسط الانهيار.
إن العدالة النسوية الشاملة لا تعني فقط محاسبة الجناة، رغم أهمية ذلك. بل تعني أيضًا الاعتراف الكامل بالضرر الذي لحق بالناجيات/الضحايا، وضمان تعويضهن، وإعادة بناء المجتمعات بطريقة تمنع تكرار الانتهاكات. وهي تعني قبل كل شيء عدم استبعاد أي ضحية من عملية العدالة، وعدم تجاهل أي شكل من أشكال الأذى لمجرد أنه غير مرئي في النظم القانونية التقليدية.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن النضال من أجل العدالة يمكن أن يحقق نتائج إيجابية حتى في أكثر الظروف تعقيدًا. فبفضل جهود الناجيات/الضحايا والمنظمات الحقوقية والحركات النسوية، بدأت المحاكم الدولية والوطنية في الاعتراف بجرائم التعذيب والعنف الجنسي كجرائم ضد الإنسانية. ومع ذلك، فإن هذه الإنجازات، رغم أهميتها، لا تعيد الزمن إلى الوراء ولا تمحو الألم الذي عاشته الناجيات/الضحايا.
العدالة التي نحتاجها اليوم هي عدالة لا تستثني أحدًا. عدالة ترى جميع الضحايا وتعترف بتجارب النساء والفتيات التي غالبًا ما بقيت خارج السرديات الرسمية. عدالة من شأنها أن تفهم بأن العنف ليس حدثًا معزولًا عن السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بل نتيجة لنظام من القمع والتمييز يجب تفكيكه.
إن النضال من أجل العدالة هي معركة سياسية واجتماعية طويلة. معركة من أجل الحقيقة، ومن أجل الكرامة، ومن أجل عالم لا يُترك فيه الناجيات وحدهن في مواجهة الظلم.