MENA Fem Movement for Economical, Development and Ecological Justice

تمويل انتقال اجتماعي-إيكولوجي عادل: ليس المزيد دائما أفضل 

بقلم فريدريكو سيباخا - Recourse

في اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي لعام 2026، تمحور جزء كبير من النقاش حول موضوعات مألوفة: تفاقم أزمة الديون العالمية، اتساع الاختلالات الخارجية، وتصاعد الإنفاق العسكري الذي يعيد تشكيل الأولويات المالية. غير أن قراءة هذه القضايا من منظور العدالة تكشف أنها ليست مسائل منفصلة، بل أعراض مترابطة بنيويا لنظام مالي عالمي يواصل استخراج القيمة من الجنوب العالمي، وفي الوقت نفسه يقيّد خياراته التنموية.

تتبلور هذه الأزمة في سياق من مديونية غير مسبوقة. فقد أسهمت مرحلة السياسة النقدية التيسيرية عقب أزمة 2008/2009 في تسريع وتيرة الاقتراض الخارجي عبر بلدان الجنوب العالمي، دون أن تُفضي إلى تحوّل هيكلي في أنماط الإنتاج. وبحلول عام 2024، كانت أكثر من 54 دولة تخصص ما يفوق 10% من إيراداتها الحكومية لخدمة فوائد الدين، فيما كانت 48 دولة تنفق على خدمة الدين أكثر مما تنفقه على الصحة أو التعليم.

تجسّد الأرجنتين حجم الإشكال. ففي عام 2025، قُدّرت مدفوعات خدمة الدين لصندوق النقد الدولي والدائنين من القطاع الخاص بنحو 19.1 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل 24% من عائدات الصادرات لعام 2024. وعلى مستوى الإقليم، تفاقمت هشاشة أوضاع الدين، حيث يستحوذ الدائنون الخواص على 32.9% من الدين العام في أمريكا اللاتينية، مقارنة بـ 8.5% فقط في آسيا الصاعدة.

وعلى الرغم من الخطاب المتكرر حول “فجوة التمويل/الاستثمار”، فإن الإشكال لا يقتصر على حجم التمويل. فقد تم، خلال العقود الأخيرة، استبدال التمويل طويل الأجل والمستقر بأدوات مالية قائمة على السوق وتدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل. وقد عزّز  التحول ظاهرة  آلامولة ، أي نمط يتزايد فيه تحقيق الأرباح عبر القنوات المالية بدلًا من الاستثمار الإنتاجي الحقيقي.

ونتيجة لذلك، تجد الدول نفسها في حالة تنافس على استقطاب تدفقات رأس المال قصيرة الأجل، ما يدفعها إلى مواءمة استراتيجياتها التنموية مع توقعات المستثمرين. وهذه الدينامية—الموصوفة بـ “التبعية المالية” —تؤدي إلى تضييق الحيّز السياساتي وتعميق الاعتماد على شروط التمويل الخارجي.

 

التمويل وتآكل الحيّز السياساتي

أدّت سياسات التحرير المالي في أمريكا اللاتينية، التي فُرضت إلى حد كبير في أعقاب أزمات ديون الثمانينيات ضمن شروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى توسيع الأنظمة المالية، لكنها أعادت توجيهها نحو تحقيق عوائد قصيرة الأجل.

وبفعل غياب موقع هرمي قوي لعملات هذه الدول ضمن النظام النقدي الدولي، تظل اقتصادات المنطقة شديدة التعرض لدورات السيولة العالمية. وللحفاظ على التوازنات الخارجية، تلجأ الحكومات عادةً إلى:

والحصيلة هي تضييق الحيّز السياساتي. وكما أُقر حتى داخل صندوق النقد الدولي، فإن الدول غالبًا ما لا تمتلك “خيارات تُذكر سوى التكيّف المالي ” للحفاظ على إمكانية الوصول إلى الأسواق المالية. وقد عكست نقاشات اجتماعات الربيع 2026 هذا التوتر البنيوي: الدعوات إلى الانضباط المالي تتعايش مع اعتراف متزايد بأن التقشف وارتفاع الإنفاق العسكري يزاحمان الاستثمار في التنمية والعمل المناخي، خصوصًا في بلدان الجنوب العالمي.

 

“إجماع وول ستريت” في التطبيق

تعتمد الجهود الرامية إلى تعبئة التمويل بشكل متزايد على رأس المال الخاص وآليات تقليل المخاطر. وتعكس أدوات مثل مرفق الصمود والاستدامة  التابع لصندوق النقد الدولي هذا التوجه، حيث يربط تمويل المناخ بحزم إصلاح هيكلية أوسع.

عمليًا، يشمل ذلك شروطًا مثل خفض دعم الطاقة، والدفع نحو الخصخصة، إلى جانب أهداف صارمة للتكيّف المالي. وبحلول يونيو 2024، كان لدى صندوق النقد الدولي برامج نشطة مع 51 دولة، بمتوسط أهداف ضبط مالي بلغ 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي، و4.1% للدول منخفضة الدخل.

وعلى الرغم من محدودية حجم هذه التدفقات—إذ لم تتجاوز 8 مليارات دولار—فإنها تُحتسب ضمن التزامات تمويل المناخ الدولية.

 

الحلول القائمة على التصدير: مخرج أم فخ؟

في ظل هذه القيود، تذهب بعض التحليلات إلى أن تعزيز الصادرات—خاصة في القطاعات الاستخراجية—قد يساهم في تقليص الاعتماد المالي الخارجي. وقد اتبعت الأرجنتين هذا المسار في أواخر العقد الأول وبداية العقد الثاني من الألفية، محققة فائضًا في الحساب الجاري عبر أداء تصديري قوي بعد فقدان الوصول إلى الأسواق المالية الدولية. غير أن هذه الاستراتيجية أثبتت هشاشتها. فعندما تراجعت أسعار السلع الأساسية، عادت القيود الخارجية بسرعة. والأهم من ذلك، أن زيادة الصادرات لم تعالج الاختلالات البنيوية، بما في ذلك عبء الدين الخارجي، وهروب رؤوس الأموال، وضعف إعادة الاستثمار المحلي.بل إن فترات تحسن شروط التبادل التجاري شهدت تدفقات كبيرة لهروب رؤوس الأموال، تجاوزت 20 مليار دولار في 2008 و25 مليار دولار في 2011. وتشير النقاشات السياساتية الراهنة—لا سيما حول أنظمة تحفيز الاستثمار—إلى أن جذب رأس المال غالبًا ما يتطلب إزالة القيود التنظيمية، وتقديم حوافز ضريبية، وضمان حرية تحويل الأرباح، مع غياب متطلبات حقيقية لتعزيز الروابط الإنتاجية المحلية. والنتيجة معروفة: توسّع الأنشطة الاستخراجية، تصاعد النزاعات الاجتماعية-البيئية، واستمرار التعرض لتقلبات أسعار السلع والتدفقات المالية.

 

إلى أين نتجه من هنا؟

الخلاصة الأساسية هي أن زيادة حجم التمويل ليست بالضرورة أمرًا إيجابيًا. ففي اقتصاد عالمي مهيمن عليه منطق الآمولة، تصبح شروط التمويل وطبيعته مسألة حاسمة. بل إن بعض أشكال التمويل تقوّض التنمية بشكل مباشر عبر ترسيخ التقشف أو تعميق الاعتماد على الأنماط الاستخراجية.

لقد أبرزت نقاشات اجتماعات الربيع 2026 بوضوح أن النظام المالي العالمي الحالي عاجز عن التوفيق بين متطلبات الاستقرار المالي وأهداف التنمية والعمل المناخي. ويتطلب تبنّي مقاربة قائمة على العدالة إعادة توجيه الأولويات: من ضمان السداد وتعزيز ثقة المستثمرين، إلى تمكين التحول الهيكلي وحماية الحقوق.

وهذا يستدعي بدوره إعادة التفكير في حوكمة النظام المالي العالمي. فمؤسسات مثل مجموعة العشرين، وصندوق النقد الدولي، والبنوك المركزية، لا تزال تتسم بضعف الشفافية ومحدودية مشاركة المجتمع المدني.

في المحصلة، لا ينبغي إعادة تشكيل مسارات التنمية بما يخدم متطلبات رأس المال المالي. فاليوم، تغادر مليارات الدولارات بلدان الجنوب العالمي عبر خدمة الديون وإعادة تحويل الأرباح، مما يعمّق اللامساواة على المستوى العالمي.

وعكس هذا المسار يتطلب، إلى جانب توسيع الحيّز السياساتي، إرادة سياسية واضحة—وهو ما يظل مرهونًا بضغط مستمر من قِبل المجتمع المدني لضمان أن تعكس استراتيجيات التنمية احتياجات المجتمعات المحلية، لا إملاءات الأسواق المالية.