MENA Fem Movement for Economical, Development and Ecological Justice

بيان مشترك لحماية الفضاء المدني ودولة القانون في تونس

إنَّ المنظّمات المُوقِّعة أدناه تُتابِعُ بقلقٍ بالغ التدهورَ السريع والخطير في مشهد الحرّيات العامّة في تونس. فقد شهدت تونس اعتبارًا من عام ٢٠٢١ – وبحِدّةٍ متزايدة منذ عام ٢٠٢٣ – حملات مُمَنْهَجَة تستهدف الأصوات المستقلّة، وتُقوِّض دور المجتمع المدني، وتُجرِّم جميع أشكال المُعارضة المدنية والسياسية.

نفّذت السلطات التونسية سلسلةً من الممارسات التي تُشكِّلُ انتهاكًا صريحًا للالتزامات الدولية للدولة التونسية، بما في ذلك الاعتقالات التعسُّفية، والملاحقات القضائية ذات الدوافع السياسية، والتعليق الإداري لعمل الجمعيات، والقيود المالية والبيروقراطية التي يُقصَد بها شلّ قدرة المنظّمات على العمل. وترافقت هذه التدابير مع محاكمات صُورية استهدفت عددًا كبيرًا من السياسيين/ات من خلفيات أيديولوجية متنوّعة، ضمنَ سياقٍ خضعت فيه السلطة القضائية بالكامل للسلطة التنفيذية، واختُزلت إلى مجرّد أداة في تصرُّفها.

تفتقر هذه الإجراءات إلى أدنى ضمانات الأصول القانونية الواجبة، بما في ذلك حقّ المُتّهمين/ات بالمثول أمام المحكمة. ونتيجةً لذلك، صدرت أحكام مُشدَّدة من دون الاستماع إلى المُعارضين/ات السياسيين/ات الموقوفين/ات ومن دون السماح للمُحامين/ات بالمُرافعة نيابةً عنهم/نَّ – سواء في المحاكم الابتدائية أو في محاكم الاستئناف.

في عامَيْ ٢٠٢٣ و٢٠٢٤، اعتقلت السلطات التونسية عددًا كبيرًا من الشخصيات السياسية البارزة بتُهمة “التآمر على أمن الدولة”، ومن بينهم/نَّ غازي الشواشي، وجوهر بن مبارك، وخيام التركي، وعصام الشابي، ورضا بالحاج، وعبد الحميد الجلاصي، بالإضافة إلى عبير موسي ولطفي المرايحي والعياشي زمال الذين كانوا مُرشَّحين للرئاسة في انتخابات تشرين الأوّل/أكتوبر ٢٠٢٤.

تُمثِّل هذه الإجراءات تهديدًا خطيرًا لسيادة القانون وتكشف عن اتّجاه واضح نحو تقليص الفضاء المدني والسياسي، وتحويل مؤسّسات الدولة إلى أدوات للقمع والعقاب السياسي، والنَّيْل من المعارضة.

شملت هذه الحملة استهدافًا مباشرًا للصحافيين/ات والمحامين/ات والمُدافِعين/ات عن حقوق الإنسان والناشطين/ات السياسيين/ات والعاملين/ات في المجتمع المدني. ولقد اعتمدت السلطات على قوانين ومراسيم غامضة وعامّة للغاية – أبرزها المرسوم عدد ٥٤ – لتجريم حرّية التعبير، وفتح تحقيقات مُطوَّلة وشاقّة تفتقر إلى أيّ أساس قانوني متين.

في أيّار/مايو ٢٠٢٤، امتدّت هذه الانتهاكات لتشمل منظّمات تُعنى بحقوق اللاجئين/ات والمُهاجِرين/ات. خَضَعَ عددٌ من موظّفيها/موظّفاتها للاستجواب، وتمّت مُداهمة مكاتبها، وجرى التحقيق في مصادر تمويلها، وذلك في إطار حملة تشويه مُنسَّقة تهدف إلى تجريم العمل الإنساني نفسه.

واقترنَ ذلك بخطابٍ رسمي وإعلامي عدائي مبنيّ على النَّيْل من مصداقية الجهات الفاعلة في المجتمع المدني وتشويه سمعتها – واتّهامها بالخيانة أو تهديد الأمن القومي – ممّا ساهمَ في خلق مناخ عام مُعادٍ لحقوق الإنسان ومُحمَّل بالكراهية والتحريض.

وفي أعقاب هذه الهجمات الإلكترونية المُنسَّقة والتصريحات الرسمية التحريضية، فُتِحَت تحقيقات جنائية بموجب قانون مكافحة الإرهاب لسنة ٢٠١٥ ضدّ نُشطاء وأعضاء منظّمات غير حكومية، لا سيّما العاملين/ات على قضايا الهجرة واللجوء. واستُدعي المُدافِعون/ات عن حقوق الإنسان، وخضعوا/خَضَعْنَ للاستجواب، واعتُقِلوا/اعتُقِلْنَ، واحتُجِزَ بعضهم/نَّ لأكثر من ٥٨٠ يومًا من دون محاكمة. ومن بين هؤلاء النُّشطاء: سعدية مصباح من منظّمة “منامتي”؛ وعبد الرزاق الكريمي ومصطفى الجمالي من المجلس التونسي للّاجئين؛ وشريفة الرياحي ومحمّد جوعو وعياض البوسالمي من منظّمة “تونس أرض اللجوء”؛ وسلوى غريسة من جمعية تفعيل الحقّ في الاختلاف؛ وعبد الله السعيد من جمعية أطفال القمر.

استهدفت حملات القمع أيضًا الجمعيات المتخصّصة بمراقبة الانتخابات ومكافحة الفساد، ممّا يدلُّ على محاولةٍ مُمَنْهَجَة للقضاء على جميع الآليات المدنية المستقلّة التي تُمارِس الرقابة على النظام السياسي – بدءًا من الاستفتاء الدستوري وصولًا إلى الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠٢٤. ومن بين هذه المنظّمات “أنا أُراقب” وشبكة “مُراقِبون”. وحتّى المجموعات التي لم تُستهدَف بشكل مباشر بالاعتقالات أو القيود الرسمية واجهت أشكالًا غير مباشرة من الضغوط التي تحمل طابعًا تعطيليًا.

منذ تشرين الأوّل/أكتوبر ٢٠٢٤، وثّقت منظّمة العفو الدولية كيفية قيام المؤسّسات المالية، بضغطٍ من السلطات، بحظر أو إعادة توجيه التحويلات المالية المخصّصة لعدّة منظّمات، ممّا أدّى إلى تقليص قدرتها على العمل بشكل كبير – وهي إشارة واضحة إلى أنَّ القمع قد امتدَّ ليطال الوسائل الاقتصادية والتنظيمية.

في عام ٢٠٢٥، ازدادَ عدد الجمعيات التي تعرّضت للتعليق المؤقّت بمُعدَّلٍ يُنذِر بالخطر، ليَصِلَ إلى أكثر من ٦٠٠ منظّمة تونسية. وتشمل هذه الجمعيات: الجمعية التونسية للثقافة الرقمية (Boubli)، ومرصد “شاهد”، والمنظّمة الدولية لمناهضة التعذيب، والجمعية التونسية للحياة البرّية، و”نواة”، و”إنكفاضة”، والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

بالإضافة إلى ذلك، أُعيدَ اعتقال أفراد سَبَقَ إطلاق سراحهم/نَّ في قضايا ما يُسمّى بـ “التآمر”، ومن بينهم/نّ شيماء عيسى، وأحمد نجيب الشابي، وعياشي الحمامي. ونُفِّذَت اعتقالات جديدة أيضًا بموجب قانون مكافحة الإرهاب، لا سيّما في أوساط المحامين/ات، مثل أحمد صواب.

يُقِرّ جميع المُوقِّعين/ات على هذا البيان بالدور التاريخي والمحوري الذي يؤدّيه المجتمع المدني التونسي في النهوض بالحرّيات في جميع أنحاء المنطقة. فعلى مدى عقود، شكَّلَ نشاطه وديناميّته مصدرَ إلهامٍ للعديد من الحركات والأفراد الساعين إلى تحقيق العدالة والكرامة والحقوق الديمقراطية.

بالتالي، ليسَ هذا البيان مجرّد تعبير عن التضامن؛ بل هو جزء من نضال مشترك ضدّ الاستبداد المُطلَق والانزلاق الحالي نحو الحُكم الفردي الأوتوقراطي، الأمر الذي يُهدِّد اليوم الحقوق الأساسية والمُواطَنة – ليسَ في تونس فحسب، بل في جميع بلدان المنطقة. ونحن نؤمن إيمانًا راسخًا بأنَّ حماية الفضاء المدني في تونس هي ضرورةٌ عابرة للحدود، وأنَّ القضاء على هذا الفضاء المدني ستترتّب عليه تداعيات خطيرة تتجاوز الحدود التونسية، وقد تتسبّب بتراجُعٍ إقليمي جديد في مجال حقوق الإنسان.

ندعو السلطات التونسية إلى:

الوقف الفوري للانتهاكات المستمرّة للحقوق الأساسية، ووضع حدّ لجميع أشكال الترهيب والمضايقة والتجريم التي تستهدف مَنْ يرفعون أصواتهم/نّ ويُعبِّرون/يُعبِّرْنَ عن آرائهم/نّ.
الإفراج عن جميع سجناء/سجينات الرأي والسجناء/السجينات السياسيين/ات، ولا سيّما العاملين/ات في المجتمع المدني الذين/اللواتي أدّوا/أدَّيْنَ واجباتهم/نَّ الإنسانية في التضامن مع الفئات الهشّة، وفقًا للقانون الوطني والتزامات تونس الدولية.
مراجعة التشريعات القمعيّة أو إلغاؤها، بما في ذلك المراسيم القانونية وغيرها من التدابير التقييدية، مثل المرسوم عدد ٥٤ بشأن الجرائم الإلكترونية.
وقف استغلال القوانين الجزائية – مثل قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال – لتجريم الصحافيين/ات والناشطين/ات.
ضمان استقلال القضاء ودعم سيادة القانون من أجل إرساء محاكمات عادلة، وحماية حقوق الدفاع، وصَوْن حرّية تكوين الجمعيات والمشاركة السياسية.* قام الملتقى التضامني الإقليمي بصياغة هذا البيان. الملتقى التضامني الإقليمي هو مجموعة من الجهات الفاعلة في المجتمع المدني من منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا، وتجمعُنا رؤى ومناهج مُناهِضة للاستعمار ومتعدّدة الاختصاصات وتشارُكية، تحويلية، نسوية وتقاطعيّة، تسعى نحو تحقيق العدالة الاجتماعية. يهدف الملتقى إلى استعادة المشاركة السياسية، وإزالة السرديّات الاستعمارية، وتصوُّر البدائل المتاحة لمستقبلٍ أكثر عدلًا وشمولًا وإنصافًا.

لتوقيع البيان