MENA Fem Movement for Economical, Development and Ecological Justice

مداخلات حركة مينافيم في اجتماعات صندوق النقد والبنك الدولي السنوية لعام 2025: قراءة نسوية وجنوبية في النظام المالي العالمي

تأتي مشاركة مينافيم في اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي السنوية لعام 2025 في لحظة يتقاطع فيها الانكماش الاقتصادي مع تفاقم الديون وأزمة المناخ واتساع الفجوة الطبقية، بينما يواصل النظام المالي العالمي فرض منطقه النيوليبرالي ذاته بوصفه الحل الوحيد. في هذا السياق، لا تبدو المشاركة فعل متابعة فني أو تقني، بل موقعًا سياسيًا نسويًا من داخل الجنوب العالمي، ينطلق من سؤال بسيط ومعقد في آن: من يملك حق تعريف الإصلاح؟ ومن يدفع ثمنه؟
على مدى عامين، راقبت الحركة ما سُمّي بعملية إصلاح النظام المالي العالمي التي تم طرحها من لقاء إشبيلية (Seville Compromiso)، والذي أعلن بوصفه لحظة توافق بين الحكومات ومؤسسات التمويل والمجتمع المدني لإعادة بناء نظام أكثر عدالة. بيد أن هذا التوافق سرعان ما انكشف عن طبيعته الرمزية؛ فقد تحوّل من وعد بتحول بنيوي إلى وثيقة لغوية تؤكد النوايا ولا تمس جوهر السلطة. وبدلًا من أن يتم طرح أسئلة المساءلة والهيمنة، تمت صياغة النتائج في لغة توافقية فضفاضة تحافظ على الشكل وتخفي استمرار نفس البنية التي تُدار بها علاقات القوة في الاقتصاد العالمي.
لم يشهد الوضع العام ما بعد لقاء إشبيلية أي إصلاح فعلي في أدوات النظام المالي الدولي أو في موازين تمثيله. فما زالت تخضع مؤسسات بريتون وودز لهيكل تصويت غير عادل يمنح السيطرة للدول الدائنة، في حين تظل الدول المدينة محصورة في موقع المتلقي. بينما يتم طرح هذه الترتيبات كحقائق تقنية، لكنها في جوهرها سياسية، تحدد من يتكلم بدعوى الاستقرار ومن يُحكم عليه بالتقشف. بينما اكتفت الوثائق الصادرة بعد إشبيلية بتكرار مفاهيم مثل المرونة والاستدامة والتعاون، دون تحديد آليات إلزامية أو رقابية من شأنها تحويل الخطاب إلى ممارسة. وبالتالي، يسمح هذا الفراغ بأن تُرفع شعارات العدالة المالية بينما تُدار السياسات نفسها التي تُعمّق اللامساواة.
وراء هذا الخطاب الإصلاحي تستمر عقيدة الأرثوذكسية المالية في صياغة القرارات الكبرى، حيث ضبط العجز، وخفض الدعم، وتعويم العملة، والاعتماد المفرط على الأسواق. وبالتبعية، فإن النتيجة هي دورة من الأزمات التي تُدار ولا يتم حلها، حيث يتم طرح كل موجة تقشف جديدة كمرحلة مؤقتة نحو الازدهار، بينما تتسع الفجوة الاجتماعية وتضعف قدرة الدول على حماية شعوبها. وفي هذا السياق، يصبح خطاب الإصلاح مجرد عملية تجميل لبنية الهيمنة.
المساءلة الغائبة والشفافية الانتقائية
إحدى المعضلات المركزية في النظام المالي الحالي هي غياب آليات مساءلة فعلية تربط مؤسسات التمويل بالتزاماتها الحقوقية والبيئية والاجتماعية. فلم تتجاوز الدعوة إلى التنسيق بين المؤسسات الدولية كونها شعارًا إداريًا يُستخدم لتبرير التداخل بين السياسات، لا لتصحيحها. وبالتالي، لا توجد جهة تضمن عدم تناقض سياسات صندوق النقد مع التزامات الأمم المتحدة أو اتفاق باريس للمناخ، ولا توجد مراجعة مستقلة لتأثير برامجه على العدالة الجندرية أو الاجتماعية. حيث تتحول المساءلة إلى عملية شكلية داخلية، وتبقى القرارات المصيرية محصنة من أي رقابة ديمقراطية. وهكذا يتكرر المشهد ذاته، من عقد الاجتماعات، وإصدار بيانات مشتركة، وتشكيل لجان متابعة بلا صلاحيات، فيما تستمر سياسات السوق في فرض منطقها على حساب حقوق الناس.
المشاركة الرمزية وإضفاء مشروعية على القرارات
في كل هذه العمليات، يُستدعى المجتمع المدني، بما فيه الحركات النسوية، كمشارك رمزي أكثر منه شريكًا فعليًا. في مسار إشبيلية، مثلًا، كانت هناك مساحات تشاورية واسعة، لكن القرارات الجوهرية تم حسمها مسبقًا بالفعل. حيث سُمح للحركات بالمساهمة في صياغة اللغة والرؤية العامة، لا في تحديد السياسات أو الآليات. فتمنح هذه المشاركة المحدودة شرعية شكلية لقرارات لم تُصغ أصلاً في ضوء تجارب المتأثرين بها. وهكذا تحوّلت مفاهيم الملكية الوطنية والاستشارة إلى أدوات خطابية تُستخدم لتجميل التراتب القائم، حيث إشراك الجنوب في الحديث عن العدالة دون تمكينه من صياغتها.
المنطقة العربية كمختبر للتقشف

تكشف التجارب العربية الحديثة عن الوجه الحقيقي لسياسات الصندوق. فمنذ عام 2011، قدّم الصندوق نفسه كشريك للإصلاح ومعالجة اللامساواة بعد انتفاضات الربيع العربي، لكنه عاد ليعمقها بسياساته. ففي مصر وتونس والمغرب، أدت برامج التكييف الاقتصادي إلى تخفيضات حادة في الدعم، وتحرير الأسعار، وتجميد الأجور، وتقليص ميزانيات الصحة والتعليم. فتضاعفت معدلات الفقر، وارتفعت الأسعار، وتراجعت الخدمات العامة، بينما توسعت الديون إلى مستويات غير مسبوقة. وبالتالي، فتحمل كل موجة احتجاج اجتماعي جديدة في المنطقة جذورها في هذه البرامج؛ من انتفاضة الخبز إلى احتجاجات المغرب الأخيرة، حيث تتلاقى السياسة الاقتصادية مع الغضب الشعبي في دائرة مغلقة من الأزمات.
وفي ضوء ذلك، كانت النساء دائمًا في مركز هذه الدائرة المغلقة، ممن تعملن في القطاعات غير الرسمية، أو تتحملن أعباء الرعاية المنزلية غير المعترف بها، أو تقللن استهلاكهن الغذائي لتأمين بقاء أسرهن. التقشف في هذه الاقتصادات ليس مجرد انضباط مالي، بل بنية عنف اقتصادي وجندري متكاملة تُعيد تحميل النساء مسؤولية البقاء، بينما يتم طرح ذلك ذلك كتكيف طبيعي مع الأزمة.
نحو عدالة مالية جندرية في الجنوب العالمي
ما تكشفه هذه التجارب هو أن النظام المالي العالمي لا يحتاج إلى تنسيق أفضل بين مؤسساته بقدر ما يحتاج إلى إعادة تعريف شاملة لأسسه. فلا يمكن فصل العدالة الاقتصادية عن العدالة الجندرية والمناخية، ولا يمكن تحقيقها دون مساءلة سياسية حقيقية لمؤسسات التمويل التي تصوغ مصائر الشعوب دون تفويض. ولا يقتصر التحوّل المرغوب فيه على تحسين آليات القروض أو شروطها، بل يُقصد به إعادة توزيع السلطة والمعرفة داخل النظام نفسه، من المركز إلى الأطراف، ومن النخب المالية إلى المجتمعات المتأثرة، ومن الاقتصاد المجرد إلى الحياة اليومية المادية. فالمقصود بالتحول العادل، بمعناه الجذري، هو تجاوز منطق السوق كمرجعية وحيدة، والاعتراف بأن الاستقرار الحقيقي لا يُقاس بمعدلات النمو بل بقدرة الناس على عيش حياة كريمة. ويعني كذلك الاعتراف بأن الجنوب ليس موضوعًا للسياسات، بل فاعل سياسي ومعرفي يملك حق صياغة بدائل جديدة انطلاقًا من واقع الحياة اليومية.
وبالتالي، إن الدعوات المتكررة إلى نظام مالي عالمي جديد تظل بلا مضمون ما لم يصاحبها استعداد حقيقي لمراجعة البنية التي تولّد الأزمات ذاتها. فالمشكلة لا تكمن في نقص المؤتمرات أو الخطط، بل في غياب الإرادة لإعادة تعريف الاقتصاد كمجالٍ للعدالة الاجتماعية لا كأداة للضبط والسيطرة.
تنبّه التجارب النسوية والجنوبية إلى أن مقاومة هذا المنطق لا تبدأ من مستوى السياسات وحده، بل من إعادة التفكير في العلاقة بين العمل والرعاية، وبين التنمية والكرامة، بحيث يُعاد وصل ما فُصل بين الاقتصاد والحياة اليومية. وبهذا المعنى، لا يشكّل نضال الجنوب ردّ فعل على الأزمات، بل ممارسة لإعادة صياغة القواعد التي تُنظّم العالم ومعاني العدالة فيه.