من سانتا مارتا إلى إندونيسيا: رفض الانتقال الطاقي الزائف والمطالبة بعدالة طاقية نسوية
أرمايانتي سانوسي رئيسة الهيئة التنفيذية الوطنية منظمة تضامن النساء من أجل حقوق الإنسان
في ظل التصاعد المستمر للأزمة المناخية العالمية، يجري الترويج بشكل متزايد لأجندة الانتقال الطاقي باعتبارها الحل لإنهاء الاعتماد على الوقود الأحفوري. وتتسابق الدول حول العالم لوضع أهداف لخفض الانبعاثات وتوسيع مشاريع الطاقة المتجددة كجزء من التزاماتها بمواجهة التغير المناخي. غير أنه خلف السردية الكبرى لـ«الطاقة النظيفة» و«الانتقال الأخضر»، تكمن قضية جوهرية لا تزال مهمشة باستمرار: من المستفيد من الانتقال الطاقي؟ ومن يتحمل كلفته وآثاره؟
هذا السؤال طُرح خلال المؤتمر الأول للانتقال بعيدا عن الوقود الأحفوري، الذي انعقد بين 24 و29 أبريل 2026 في سانتا مارتا بكولومبيا. وقد أطلق المؤتمر تحالف يضم 18 دولة عضوا في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وجرى الترويج له باعتباره فضاء سياسيا جديدا للدفع نحو إنشاء معاهدة عالمية للوقود الأحفوري بوصفها إطارا عالميا لانتقال طاقي عادل. وخلال المنتدى، الذي شاركت فيه 45 دولة، جرى تشجيع البلدان على البدء في التخلي عن الاعتماد على الوقود الأحفوري وبناء نظام طاقي يُعتبر أكثر أمانا لمستقبل الأرض والحياة البشرية.
غير أن أجندة الانتقال الطاقي العالمية لا تزال، خلف هذه الطموحات، تحمل إشكالات خطيرة. فبدلا من معالجة الجذور البنيوية للظلم، يهدد الانتقال الطاقي بإعادة إنتاج اللامساواة القديمة في أشكال جديدة.حيث تواصل دول الشمال التهرب من مسؤوليتها التاريخية عن الأزمة المناخية التي صنعتها عبر عقود من التصنيع واستغلال الموارد الطبيعية، بينما تُحمّل دول الجنوب مرة أخرى أعباء مخططات التمويل القائم على الديون وآليات السوق التي تعمق التبعية الاقتصادية.
وأشارت أرمايانتي سانوسي، رئيسة الهيئة التنفيذية الوطنية لمنظمة “تضامن النساء”، والتي شاركت في مؤتمر سانتا مارتا ممثلة لقطاع الجندر والتنوع من آسيا، إلى أنه رغم أن المؤتمر أتاح فرصا لمشاركة مجموعات مختلفة، فإن النساء ظللن يُعاملن كرموز شكلية لا كفاعلات سياسيات يحددن اتجاه الانتقال الطاقي.
وبحسب منظمة “تضامن النساء”، فإن المسار السياسي لمؤتمر سانتا مارتا لا يزال خاضعا لمقاربة تكنوقراطية ونخبوية تهمش التجارب المعيشة للنساء في القواعد الشعبية. فرغم حضور النساء داخل فضاء المؤتمر، فإن هذه المشاركة ظلت إجرائية وشكلية أكثر منها جوهرية. فالنساء حاضرات بوصفهن «مشاركات»، لا بوصفهن فاعلات سياسيات يمتلكن سلطة تحديد اتجاه وأجندة وإطار الانتقال الطاقي العالمي.
كما أن منتدى سانتا مارتا لم يضع النسوية بشكل صريح باعتبارها منظورا سياسيا في تطوير سياسات انتقال طاقي عادلة. إذ ظلت النقاشات متمركزة حول أهداف خفض الانبعاثات، والاستثمار، والتكنولوجيا، والتمويل، من دون تفكيك علاقات القوة المرتبطة بالأبوية، والاستعمار، والرأسمالية الاستخراجية، التي تشكل الجذور الحقيقية للأزمة المناخية. ونتيجة لذلك، جرى اختزال الانتقال الطاقي في مجرد انتقال من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة، بدلا من اعتباره تحولا بنيويا يعالج علاقات اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
إضافة إلى ذلك، كشف مسار المؤتمر عن تفاوتات واضحة في الوصول والتمثيل. فالمجموعات النسائية القاعدية في الجنوب العالمي تواجه محدودية في الوصول إلى فضاءات التفاوض والمعلومات وصنع القرار، بينما يحتل الفاعلون الحكوميون، والمؤسسات المالية الدولية، وشركات الطاقة مواقع مهيمنة في توجيه النقاشات العالمية. ويؤكد هذا الوضع أن عملية الانتقال الطاقي لا تزال خاضعة لسيطرة النخب العالمية، في حين يجري تهميش المجتمعات الأكثر تضررا.
كما وجهت انتقادات نسوية لغياب آليات مساءلة تضمن حماية حقوق النساء ضمن أجندة الانتقال الطاقي. فمصطلحات مثل «الشمول»، و«المشاركة»، و«العدالة» تُستخدم بشكل متكرر، لكن من دون مؤشرات ملموسة توضح كيف ستتمكن النساء من الوصول إلى الموارد الطاقية، أو حمايتها، أو استعادتها، أو التحكم فيها. وفي الممارسة العملية، تتحول لغة الشمول إلى أداة تمنح الشرعية لمشاريع انتقال طاقي لا تزال قائمة على الاستغلال.
وترى منظمة “تضامن النساء” أن الأزمة المناخية وأزمة الطاقة ليستا محايدتين جندريا. فكلتاهما ناتجتان عن البنية الأبوية، والرأسمالية الاستخراجية، والاستعمار، التي تتعامل مع أجساد النساء والطبيعة بوصفها موضوعات للاستغلال. لذلك، لا يمكن فهم الانتقال الطاقي باعتباره مجرد تحول في التكنولوجيا أو مصادر الطاقة. فبدون تفكيك علاقات القوة غير المتكافئة هذه، لن يكون الانتقال الطاقي سوى امتداد جديد لظلم قديم بواجهة «أكثر خضرة».
كما تعتبر المنظمة أن مفهوم «الانتقال العادل»، الذي يتكرر في المنتديات الدولية، فقد معناه السياسي الحقيقي. فا مصطلحات مثل «عادل» و«امجتمعى تُستخدم من دون إطار واضح للعدالة الجندرية. ومع ذلك، فإن الوصول إلى الطاقة يرتبط بشكل عميق بأعمال الرعاية، وهي أعباء تتحملها النساء بشكل غير متناسب. فالطاقة تحدد كيف تطهو النساء، وكيف يصلن إلى المياه النظيفة، وكيف يعتنين بأسرهن، ويحافظن على صحة مجتمعاتهن، ويؤمنّ استمرارية الحياة اليومية. وعندما يجري تجاهل هذا البعد، تُقصى أيضا التجارب المعيشة لغالبية النساء حول العالم من سياسات الانتقال الطاقي.
وتتجلى الإشكالات نفسها في المقاربات الاقتصادية والمالية للانتقال الطاقي، التي لا تزال نخبوية وذكورية. فخطط الاستثمار الأخضر، وإعادة هيكلة الديون، وتمويل الطاقة، لا تأخذ بعين الاعتبار آثارها على النساء، ولا توفر لهن وصولا عادلا إلى الموارد الاقتصادية. ويُقدَّم النظام المالي العالمي مرة أخرى باعتباره محايدا، بينما يشكل في الواقع أحد أبرز مصادر اللامساواة عبر تمويل الديون والمشاريع الاستخراجية.
ويتضح هذا الوضع بشكل خاص في إندونيسيا. فرغم أن الحكومة تتحدث باستمرار عن التزامها بالانتقال الطاقي من خلال مبادرات دولية مختلفة مثل “شراكة الانتقال الطاقي العادل”، فإن السياسات الوطنية لا تزال عمليا تمنح الأولوية للاعتماد على الفحم والغاز والصناعات الاستخراجية. فالانتقال الطاقي الجاري تطويره حاليا يركز على الاستثمار والنمو الاقتصادي أكثر من تركيزه على حماية حقوق الناس وضمان استدامة بيئاتهم المعيشية.
بل إن العديد من المشاريع التي يُروَّج لها باعتبارها «طاقة نظيفة» تخلق في الواقع أزمات اجتماعية وبيئية جديدة. فمشاريع الطاقة الحرارية الجوفية، والسدود الكهرومائية، ومزارع الرياح، وتعدين النيكل المستخدم في بطاريات السيارات الكهربائية، تواصل التسبب في نزع الأراضي، والعنف، وتجريم المجتمعات المحلية، وخاصة النساء.
وفي بوكو ليوك، بجزيرة فلوريس في نوسا تينغارا الشرقية، يجري توسيع مشروع محطة “أولومبو” للطاقة الحرارية الجوفية من دون الحصول على الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة للسكان. ويهدد المشروع الأراضي الجماعية، ومصادر المياه، وسبل عيش المجتمعات الأصلية. وتقف النساء في مقدمة المقاومة، مدافعات عن قراهن في مواجهة الترهيب والعنف من طرف السلطات.
ويتكرر الوضع نفسه في جبل راجاباسا في لامبونغ، حيث يهدد مشروع للطاقة الحرارية الجوفية يُقدَّم باعتباره مصدرا للطاقة الخضراء منطقة غابوية تشكل شريان حياة للمجتمع المحلي. ويكشف غياب المشاركة الحقيقية وغياب الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة كيف يجري مرة أخرى إقصاء النساء والمجتمعات المحلية من عمليات اتخاذ القرار.
أما في بوسو، بوسط سولاويسي، فقد تسبب مشروع محطة “بوسو إنرجي” الكهرومائية في الإضرار بنهر بوسو، الذي يشكل مصدر رزق للمجتمع المحلي. وقد أدت التغيرات في تدفق النهر، وتلوث المياه، والفيضانات المتكررة، إلى زيادة أعباء العمل على النساء، وحرمانهن من الوصول إلى المياه والغذاء والرعاية الصحية.
وفي لوكنغا، في آتشيه بيسار، يكشف تصنيف جبل لامبوك كمنطقة غابوية محمية لصالح مشروع لطاقة الرياح عن وجه آخر لانتقال طاقي غير عادل جندريا. فالمشاريع «الخضراء» تُنفَّذ بالمنطق السلطوي نفسه: تجاهل أصوات النساء الأصليات والمجتمعات المحلية، مع خلق شروط تؤدي إلى النزاعات الاجتماعية والعنف القائم على النوع.
ويؤكد التحليل النسوي النقدي لمنظمة “تضامن النساء” أن الاتجاه الحالي لسياسات الانتقال الطاقي العالمية والوطنية لا يزال خاضعا لمصالح الشركات والنخب السياسية. فما يحدث ليس تحولا بنيويا حقيقيا، بل إعادة إنتاج للظلم في شكل جديد. وبالنسبة للنساء في القواعد الشعبية، يجب فهم الانتقال الطاقي باعتباره تحولا شاملا يفكك أنظمة القهر، ويزيل علاقات القوة غير المتكافئة، ويضمن حقوق النساء في الأرض والمياه والطاقة، ويعطي الأولوية للمعارف المحلية والممارسات المجتمعية كأساس لنظام طاقي عادل ومستدام.
لذلك، لا يمكن فصل النضال من أجل العدالة الطاقية عن النضال من أجل بناء ديمقراطية طاقية، وعدالة جندرية، وسيادة الشعوب على فضاءاتها المعيشية.
فالانتقال الطاقي العادل يجب أن يبدأ بالاعتراف بحقوق النساء والمجتمعات المحلية بوصفهن الحارسات الأساسيات لاستدامة الحياة. ومن دون هذه التغييرات الجذرية، لن يكون الانتقال الطاقي سوى انتقال من شكل من أشكال الظلم إلى شكل آخر.