MENA Fem Movement for Economical, Development and Ecological Justice

العدالة الانتقائية: لماذا لا تنقذ القوانين النساء في منطقتنا؟

في المنشورات السابقة من هذه السلسلة، تناولنا كيف تؤثر السياسات الاقتصادية، وخيارات التمويل، والحرب الدائرة على حياة النساء، وكيف تعيد هذه السياسات إنتاج اللامساواة بدلًا من تفكيكها. في هذا المنشور، نذهب خطوة أبعد لنطرح سؤالًا أكثر جذرية: هل العدالة مسألة قانون ومحاكم فقط، أم أنها تُصنع—أو تُقمع—خارجها؟
تحتل فكرة “الوصول إلى العدالة” موقعًا مركزيًا في الخطاب الدولي حول حقوق النساء والفتيات. وغالبًا ما يتم اختزالها في معادلة قانونية: قوانين أفضل، محاكم أكثر كفاءة، وآليات قضائية قادرة على المحاسبة.
لكن في واقع منطقتنا، هذا التصور يبدو قاصرًا، بل ومضللًا أحيانًا.
فالقانون لا يُطبّق دائمًا بشكل عادل، والعدالة القضائية تصطدم باستمرار ببنى سياسية واجتماعية تقيدها. المشكلة ليست فقط في غياب النصوص، بل في من يملك سلطة تفعيلها، ومن يُمنع من الوصول إليها أصلًا.
فالنساء قد يمتلكن حقوقًا على الورق، لكن عند محاولة تفعيلها يصطدمن بجدار من العراقيل: إجراءات بيروقراطية معقدة، كلفة تقاضٍ مرتفعة، ضعف الوصول إلى المعرفة القانونية، وضغوط اجتماعية وثقافية—خصوصًا في منطقتنا—تدفع نحو الصمت بدل المواجهة. بل إن بعض القوانين نفسها تُصاغ انطلاقًا من تصورات جندرية غير متكافئة، فتُفرغ العدالة من مضمونها.
حتى في القضايا التي تحظى باهتمام واسع، لا تتحقق العدالة كاملة. في المغرب، كشفت فاجعة مصنع طنجة سنة 2021—حيث توفيت عاملات داخل وحدة صناعية سرية بسبب الفيضانات—عن حدود الحماية القانونية. فرغم التحقيقات، انتهت القضية بإدانة صاحب المعمل بسنة ونصف فقط، في حكم لا يعكس حجم الكارثة ولا مسؤوليتها البنيوية.
وفي مصر، في عام 2025، توفيت رضيعة عاملة في مصنع نسيج بالإسكندرية بعد أن رُفض طلب والدتها لإجازة لرعايتها رغم تدهور حالتها الصحية، ومُنعت من مغادرة العمل في الوقت المناسب. أثارت الواقعة غضبًا واسعًا وإضرابًا عماليًا، لكن الرد الرسمي اقتصر على تحقيق وإجراءات إدارية وتعويض، دون مساءلة قضائية رادعة. هكذا تتحول حياة النساء—وأطفالهن—إلى تكلفة يمكن احتواؤها، لا حق يجب حمايته.
وفي الخليج، يتكرر المشهد بشكل أكثر قسوة. ففي عام 2024، وثّقت هيومن رايتس ووتش حالة عاملة منزلية كينية في السعودية أُجبرت على العمل حتى 16 ساعة يوميًا دون راحة، ورُفضت طلباتها المتكررة للحصول على رعاية طبية رغم تدهور حالتها. هذه الحالة ليست استثناءً، بل جزء من نمط موثق، حيث يقيّد نظام الكفالة حركة العاملات ويجعل حقهن في الصحة—وأحيانًا الحياة—مرهونًا بالكامل بإرادة صاحب العمل، في ظل غياب فعلي للإنصاف القضائي.
في عالم تتعمق فيه اللامساواة، تصبح العدالة قضية تتجاوز القانون. فالمشكلة الجوهرية تكمن في أنظمة السلطة التي تحدد من يملك الموارد، ومن يُحرم منها؛ من يشارك في صنع القرار، ومن يُقصى عنه.
في بلدان الجنوب العالمي، تواجه النساء عوائق لا يمكن للمحاكم وحدها حلها. عندما تُغلق المساحات المدنية، وتُهمّش الحركات النسوية، وتُتخذ القرارات الاقتصادية بعيدًا عن المجتمعات المتأثرة، تصبح العدالة القانونية محدودة الأثر. والأسوأ، أن العديد من السياسات التي تعيد إنتاج اللامساواة لا تُصنّف أصلًا كجرائم.
فعلى سبيل المثال: قرارات الميزانيات العامة، أولويات الاستثمار، إدارة الموارد الطبيعية. كلها قرارات تعيد تشكيل حياة ملايين النساء، لكنها لا تخضع للمساءلة القضائية. من هنا، فإن العدالة الحقيقية—بمعناها الجذري—لا تُختزل في قاعات المحاكم، بل تبدأ من خارجها: من من يحدد السياسات، ومن يملك الصوت، ومن يُقصى.
في النهاية، فإن النضال من أجل العدالة ليس معركة قانونية فقط، بل هو مسار مقاومة سياسي واجتماعي.
هو صراع من أجل توسيع المجال الديمقراطي، واستعادة صوت المجتمعات، وإعادة تخيّل النظم الاقتصادية والسياسية التي تحدد توزيع الموارد والفرص.
العدالة تبدأ عندما يصبح للناس القدرة الفعلية على التأثير في الشروط التي تشكّل حياتهم.ن.