العدالة الجندرية في عالم غير عادل
تعيش منطقتنا لحظة تصعيد عسكري خطير تقوده الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي، في سياق صراع جيوسياسي يتجاوز حدود دولة أو حرب واحدة. هذه الحرب لا تقتصر آثارها على ساحة بعينها، بل تعيد تشكيل موازين القوة في المنطقة وتدفع المجتمعات إلى دفع كلفة بشرية واقتصادية هائلة.
في فلسطين يستمر القصف واسع النطاق على قطاع غزة وما رافقه من تدمير غير مسبوق للبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء. في الوقت نفسه يستمر الدعم العسكري والسياسي الذي تقدمه الولايات المتحدة وعدد من القوى الغربية لدولة الاحتلال، الأمر الذي يعمّق الإفلات من المساءلة ويقوض قواعد القانون الدولي.
امتد التصعيد إلى لبنان حيث يواجه المدنيون خطر توسيع نطاق الحرب نتيجة القصف المتبادل على الحدود. كما تشهد المنطقة توترات عسكرية مرتبطة بالصراع مع إيران، في سياق صراع إقليمي أوسع يتداخل فيه النفوذ العسكري مع السيطرة على الموارد والطاقة ومسارات التجارة.
في السودان تستمر الحرب بين قوى مسلحة متنافسة منذ عام 2023، وقد تحولت إلى واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم. ملايين الأشخاص نزحوا من منازلهم، ويواجه عدد كبير من السكان خطر الجوع الحاد وفق تحذيرات برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة.
النساء في السودان يدفعن كلفة مضاعفة من العنف والنزوح وانهيار شبكات الرعاية والخدمات الأساسية.
وفي الوقت نفسه، تعيش ملايين العاملات المهاجرات في دول الخليج في ظل نظام الكفالة الذي يقيّد حرياتهن ويعرضهن لانتهاكات متعددة في العمل والمعيشة، كما وثّقت تقارير صادرة عن منظمة العمل الدولية ومنظمات حقوقية دولية.
تتزامن هذه الحروب مع تعمق أزمة الديون في دول المنطقة وفي العديد من دول الجنوب العالمي، حيث تنفق حكومات كثيرة موارد ضخمة على خدمة الديون على حساب الاستثمار في الصحة والتعليم والخدمات العامة، كما تشير تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTADK وغالباً ما ترتبط برامج الإصلاح الاقتصادي لصندوق النقد الدولي بـ بسياسات تقشف تقلّص الإنفاق الاجتماعي وترفع كلفة المعيشة.
عندما تتراجع الخدمات العامة وتنهار البنى الأساسية للحماية الاجتماعية، تنتقل كلفة البقاء إلى داخل المنازل. في هذا السياق تتحمل النساء الجزء الأكبر من هذا العبء من خلال العمل غير المدفوع في الرعاية وإدارة الحياة اليومية للأسر. وتشير تقديرات متعددة إلى أن النساء يقمن بالغالبية الساحقة من العمل غير المدفوع المرتبط برعاية الأطفال وكبار السن وتدبير شؤون الأسرة. غير أن هذا العبء يتضاعف بشكل حاد في سياقات الحرب والنزاع، حيث تتحول مهام الرعاية إلى صراع بقاء يومي في ظل انعدام الأمن وانهيار الخدمات الأساسية. ومع اتساع نطاق العمل غير المدفوع المفروض على النساء في هذه الظروف، يزداد أيضاً تعرضهن لأشكال متعددة من العنف والانتهاكات، سواء داخل المجال الخاص أو في الفضاءات العامة المرتبطة بتأمين احتياجات الحياة. وهكذا تدفع النساء ثمناً مضاعفاً للحرب: ليس فقط بوصفهن متضررات من العنف المباشر، بل أيضاً بوصفهن من يتحملن العبء الخفي لإبقاء الحياة ممكنة وسط الانهيار.
وفي هذا المناخ من الحروب والأزمات الاقتصادية نشهد أيضاً تضييقاً متزايداً على النشطاء والحركات الاجتماعية في المنطقة. في تونس تم توقيف عدد من النشطاء المرتبطين بأسطول الصمود وإحالتهم للتحقيق بموجب قوانين الإرهاب ، من بينهم زوجان لديهما طفلان صغيران. يعكس هذا التطور اتجاهاً مقلقاً نحو استخدام قوانين استثنائية لتجريم العمل المدني والتضامن الشعبي.
كل هذه الوقائع تكشف أزمة عميقة في النظام الدولي الذي يدّعي حماية الحقوق. المؤسسات الدولية تبدو عاجزة عن وقف الحروب أو مساءلة المسؤولين عنها. في المقابل تستمر القوى الكبرى في تسليح النزاعات ودعمها سياسياً بينما تتحمل المجتمعات كلفة الدمار والنزوح والفقر.
في هذا السياق تنعقد الدورة السبعون للجنة وضع المرأة التابعة للأمم المتحدة تحت عنوان تعزيز وصول النساء إلى العدالة. لكن العدالة لا يمكن اختزالها في إصلاحات قانونية أو تحسين الوصول إلى المحاكم.
لا يمكن تحقيق عدالة جندرية في عالم يسمح باستمرار الاحتلال دون مساءلة، ويغذي الحروب، ويفرض التقشف على المجتمعات المثقلة بالديون، ويواصل استنزاف الأرض والموارد الطبيعية.
العدالة الجندرية مرتبطة بالاقتصاد العالمي وبالسيادة على الموارد وبحق الشعوب في تقرير مصيرها.
في 8 مارس 1917 خرجت عاملات مصانع النسيج في بتروغراد إلى الشوارع احتجاجاً على الجوع والحرب والاستغلال. بدأت احتجاجات النساء العاملات، وبعد أيام انهار الحكم القيصري. هذا التاريخ يذكرنا بأن يوم المرأة العالمي ولد من نضال سياسي واجتماعي ضد الحرب والفقر.
اليوم، وفي ظل هذا الواقع، نعيد طرح السؤال ذاته.
أي عدالة يمكن تحقيقها في عالم غير متكافئ؟
خلال شهر مارس نفتح نقاشاً حول العلاقة بين العدالة الجندرية والحرب، وبين الاقتصاد العالمي والديون والتقشف، وبين الرعاية والعدالة المناخية.
العدالة ليست شعاراً احتفالياً.
العدالة مسألة سلطة وتوزيع للثروة والموارد.
السؤال الذي نطرحه اليوم واضح:
أي عدالة نريد؟
ولمن تعمل هذه العدالة؟