ما بعد الانبعاثات: إعادة التفكير في العدالة المناخية في ظلّ الحرب والتقشّف
في ضوء حملة مينافيم في شهر مارس للتساؤل حول ماهية مفهوم العدالة في عالم غير متكافئ، نحاول تفكيك الخطابات السائدة حول العدالة الجندرية وربطه بالسياقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تشكل حياة النساء في منطقتنا اليوم.
غالبًا ما تُقدَّم العدالة المناخية بوصفها مسألة تتعلق بأهداف خفض الانبعاثات، والتحول الأخضر، والمخاطر البيئية المستقبلية. لكن في منطقتنا، فإن الظلم المناخي يَتشكل بالفعل في الحياة اليومية من خلال التوزيع غير المتكافئ للأضرار في الحاضر. فالحرب الجارية في المنطقة لا تقع على أرض متساوية، بل تضرب مجتمعات أُنهِكت بالفعل بفعل الديون، والتضخم، وسنوات من سياسات التقشف، ما يترك لها هامشًا ضيقًا للغاية لامتصاص صدمات جديدة.
من فلسطين إلى لبنان وإيران، تعيش شعوب بأكملها تحت وطأة الحرب، والقصف، والاحتلال، والعسكرة، والقمع السياسي. وتُستهدف المنازل، والمستشفيات، وأنظمة الطاقة، وشبكات المياه، والأراضي الزراعية، والمناطق الساحلية بشكل مستمر. بما يؤكد مرة أخرى أن الكارثة الإنسانية والبيئية هما وجهان لواقع واحد. يستهدف الاحتلال الاسرائيلي والولايات المتحدة البنية التحتية العامة، والزراعة، والنظم البيئية بشكل متعمد لتقويض الأنظمة التي تقوم عليها الحياة، بما في ذلك المياه والصرف الصحي، وإنتاج الغذاء، والنقل، والطاقة، بحيث تمتد آثار الحرب إلى ما بعد توقف القتال. وتنتج الحرب مناظر طبيعية ملوثة، وحطامًا خطيرًا، وموارد طبيعية متدهورة، ما يؤدي إلى تلوث واسع النطاق، وإضعاف الأنظمة الصحية، وأضرار بيئية غالبًا ما تكون غير قابلة للعكس.
وترتبط هذه الديناميكيات ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد السياسي للطاقة. فالوقود الأحفوري ليس مجرد عنصر متأثر بالحروب، بل هو غالبًا متجذر في صلبها. إذ تواصل عائدات النفط والغاز تمويل العمليات العسكرية، فيما تشكّل السيطرة على خطوط الأنابيب، والموانئ، والممرات البحرية الاستراتيجية جزءًا من ديناميات التوتر الجيوسياسي. وفي اقتصاد عالمي لا يزال يعتمد على موارد مركزة وشديدة التقلب، تصبح هذه البنى التحتية أهدافًا استراتيجية. ولا تؤدي الضربات على المصافي، ومرافق التخزين، وناقلات النفط، أو ممرات الشحن إلى تعطيل سلاسل الإمداد فحسب، بل تُحدث أيضًا آثارًا متتالية تقوض الصحة العامة وتزيد من هشاشة اقتصادات تعاني أصلًا من عدم الاستقرار.
في مصر حيث أدت الإصلاحات المتكررة المدعومة من صندوق النقد الدولي وتزايد الديون الخارجية إلى تضييق الحيز المالي، يتم تحميل التداعيات الاقتصادية للتصعيد الإقليمي مباشرة على الحياة اليومية للناس. ففي 10 مارس، رفعت الحكومة المصرية أسعار الوقود مجددًا بنسبة 15% للبنزين، و22% لغاز الطهي، و17% للسولار. ولا تقتصر آثار هذه الزيادات على رفع تكاليف النقل والإنتاج، بل تؤدي أيضًا إلى زيادات انتهازية ومفرطة في أسعار السلع الأساسية، غالبًا بما يتجاوز أي زيادة فعلية في التكاليف الناتجة عن الحرب. وبالنسبة للأسر التي استنزفتها بالفعل تخفيضات العملة المتتالية، والتضخم، وتآكل القدرة الشرائية، فإن ذلك يعني جولة جديدة من الهشاشة القسرية وانعدام الأمان.
وتتخذ هذه الهشاشة بعدا جندريا واضحا. فالنساء غالبا ما يتحملن عبء إدارة هذه الزيادات، من خلال تمديد ميزانيات الغذاء، وتأمين المياه، وإعادة تنظيم أعمال الرعاية، وترشيد الحركة، وامتصاص العنف اليومي الناتج عن الندرة. بهذا المعنى، لا تُعاش الحرب فقط من خلال القصف والنزوح، بل أيضًا من خلال سعر أسطوانة الغاز، وتكلفة النقل، وتزايد استحالة تأمين الاحتياجات الأساسية.
ويزيد تغير المناخ من حدة هذه الضغوط، ففي مصر مثلًا، يتزايد عدد الأشخاص الذين يموتون أو يعانون من أمراض بسبب ارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر، في حين يظل الوصول إلى وسائل التبريد غير متكافئ بشكل كبير. وتكون النساء الحوامل، والأطفال الصغار، وكبار السن، والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة أكثر عرضة لهذه الظروف، ما يعني أن الضغوط المناخية تضاعف أعباء الرعاية غير المدفوعة وغير المتكافئة أصلًا. كما أن الأسر منخفضة الدخل أقل قدرة على تحمل تكاليف الكهرباء المتزايدة، خاصة في ظل تقليص الدعم نتيجة لبرامج التكيف الهيكلي القاسية التي يفرضها صندوق النقد الدولي، في وقت يواصل فيه البنك الدولي تمويل مشاريع النفط والغاز. فعلى سبيل المثال، وافق البنك في عام 2008 على توسيع توزيع الغاز الطبيعي، لا سيما للاستخدام المنزلي، تلاه في عام 2009 قرض استثماري لمشروع محطة كهرباء العين السخنة.
في هذا السياق لا يمكن فصل أزمة المناخ عن النموذج الاقتصادي السائد الذي يُنتج الهشاشة. فالاعتماد على الوقود الأحفوري، وضغوط الديون، وسياسات التقشف تعمّق الضرر البيئي وتُضعف في الوقت نفسه الأنظمة العامة التي تحتاجها المجتمعات للصمود. والفئات الأكثر تضررًا من هذا النموذج هي تلك التي تملك أقل قدر من السلطة السياسية، مثل المزارعين في المناطق الريفية، والعمال في القطاع غير الرسمي، والنساء في القطاعات منخفضة الأجر، والمجتمعات التي تعيش بالقرب من مناطق التلوث والاستخراج. لذلك، فإن العدالة المناخية ليست مجرد مسألة بيئية، بل هي مسألة تتعلق بالسلطة، وعدم المساواة، وبمن تُصبح حياتهم أكثر قابلية للاستغناء في ظل الأزمات. ويكشف مسار التحول الحالي في مجال الطاقة عن هذا التناقض، حيث يُعاد إنتاج أنماط الاستخراج ضمن منطق نيوليبرالي حتى في مشاريع الطاقة المتجددة، بما يؤدي إلى نقل الموارد من الجنوب العالمي مع تركيز الثروة في الشمال العالمي