MENA Fem Movement for Economical, Development and Ecological Justice

من الديون إلى الحروب: كيف تتحمل النساء كلفة الأزمات الاقتصادية؟

الاقتصاد ليس مجرد مسألة أرقام أو سياسات مالية، بل ساحة تحدد من يدفع ثمن الأزمات، ومن يمتلك القدرة على العيش بكرامة. في ضوء حملة مينافيم في شهر مارس للتساؤل حول ماهية مفهوم العدالة في عالم غير متكافئ، نحاول تفكيك الخطابات السائدة حول العدالة الجندرية وربطه بالسياقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تشكل حياة النساء في منطقتنا اليوم. فبالتزامن مع تركيز الخطاب الدولي، ضمن متابعة لجنة أوضاع المرأة، حول مسارات الوصول إلى العدالة بالنظر إليه كقضية تستدعي إصلاحات قانونية، مما يستدعي طرح أسئلة أخرى حول ماهية العدالة المقصودة في ظل الحروب المتصاعدة في المنطقة، وأزمات الديون، وسياسات التقشف التي تقوض الدول على حماية مجتمعاتها.
فتمثل الديون في كثير من دول منطقتنا عاملًا مباشرًا يؤثر في استقلالية القرار السياسي وقدرة الحكومات على التعامل في الأزمات والحروب التي تعصف بالمنطقة. فعندما تكون الدول مثقلة بديون ضخمة وتعتمد على القروض والمؤسسات المالية الدولية، تضيق خياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وغالبًا ما يترجم ذلك إلى سياسات تقشف وتراجع في الدعم والخدمات العامة. لا تؤثر هذه السياسات على المجتمعات بصورة متساوية، فالنساء غالبًا ما يتحملن التكلفة الأكبر للأزمات الاقتصادية لكونهن طرفًا أكثر هشاشة بسبب موقعهن في سوق العمل ومسؤولياتهن في الرعاية داخل الأسر.
في مصر على سبيل المثال، ارتفع الدين الخارجي إلى نحو 168 مليار دولار في عام 2023 بحسب بيانات البنك المركزي المصري وصندوق النقد الدولي. ومع دخول البلاد في برامج متتالية مع صندوق النقد، اتجهت الحكومة إلى سياسات تشمل خفض دعم الوقود والكهرباء، وتحرير سعر الصرف، وتقليص الإنفاق العام. ورغم تقديم هذه الإجراءات بوصفها “إصلاحات اقتصادية”، فإن آثارها تظهر بوضوح في ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية.
بينما يكشف الوضع في لبنان جانبًا آخر من العلاقة بين الديون والأزمات الاجتماعية. فقبل الانهيار المالي في 2019 كان الدين العام يتجاوز 170% من الناتج المحلي الإجمالي وفق البنك الدولي. وبعد الانهيار، دخلت البلاد في أزمة اقتصادية عميقة أدت إلى ارتفاع معدلات الفقر إلى أكثر من 80% من السكان بحسب تقديرات الأمم المتحدة. في هذا السياق، انهارت خدمات أساسية مثل الكهرباء والرعاية الصحية، وأصبحت الأسر تعتمد بشكل متزايد على شبكات الرعاية داخل العائلة. وغالبًا ما تقع مسؤولية هذا العمل على النساء، اللواتي يتحملن إدارة الحياة اليومية في ظل انقطاع الخدمات وارتفاع الأسعار وانهيار القدرة الشرائية.
أما في العراق، فرغم الثروة النفطية الكبيرة، لا يزال الاقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على عائدات النفط التي تشكل أكثر من 85% من إيرادات الدولة وفق بيانات البنك الدولي. هذا الاعتماد يجعل الاقتصاد هشًا أمام تقلبات الأسعار العالمية ويحد من قدرة الدولة على الاستثمار في الخدمات الاجتماعية. ومع استمرار التوترات الأمنية والسياسية في المنطقة، تُوجَّه موارد الدولة في كثير من الأحيان نحو الأمن والاستقرار السياسي بدلًا من تطوير الخدمات العامة.
يتقاطع هذا الواقع الاقتصادي مع تصاعد النزاعات والحروب في المنطقة. التصعيد العسكري الأخير، بما في ذلك الهجمات على إيران ولبنان وقصف تجمعات النازحين من الهجمات، يضيف ضغوطًا جديدة على اقتصادات تعاني أصلًا من الديون والتقشف. وعندما تتجه الدول إلى زيادة الإنفاق العسكري أو التعامل مع آثار الصراعات الإقليمية، غالبًا ما يتم ذلك على حساب الإنفاق الاجتماعي والخدمات الأساسية.
في ظل هذه الظروف، تصبح قدرة الدول المثقلة بالديون على حماية شعوبها أو تبني سياسات اجتماعية بديلة محدودة للغاية. وتجد المجتمعات نفسها مضطرة للتعايش مع أزمات متراكمة، بينما تتحمل النساء عبئًا مضاعفًا يتمثل في ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع فرص العمل اللائق، وتزايد العمل غير المدفوع في الرعاية الذي يبقى الأسر والمجتمعات قادرة على الاستمرار رغم كل الضغوط.
لهذا، لا يمكن الحديث عن العدالة الجندرية في منطقتنا بمعزل عن قضايا الديون والسياسات الاقتصادية والحروب التي تعيد تشكيل حياة المجتمعات.