من يتحمل عبء الأزمة؟ تأملات نسوية حول اجتماعات الربيع لعام 2026 ومنتدى تمويل التنمية
بقلم نيريسا موثايان - معهد العدالة الاقتصادية (IEJ)
أثناء حضوري النقاشات التي جرت خلال اجتماعات الربيع لعام 2026 لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى جانب منتدى تمويل التنمية (FfD)، لم يكن ما لفت الانتباه فقط هو حجم الأزمات التي جرى توصيفها، بل كذلك اللغة المستخدمة لاحتوائها.
فقد جرى الاعتراف مرارا بالنزاعات، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتعاظم اللامساواة، لكن ضمن صيغ جعلتها تبدو مسائل تقنية، قابلة للإدارة، وفي نهاية المطاف محايدة.
وقد دارت هذه النقاشات بين واشنطن العاصمة ونيويورك، بمشاركة صانعي سياسات وناشطين وخبراء اقتصاد، للتداول بشأن التنسيق الاقتصادي، وإصلاح البنية المالية الدولية، ومستقبل التعددية الدولية. لكن خلف هذه النقاشات يبرز سؤال أعمق: من المتوقع أن يتحمّل كلفة الأزمة؟
ورغم الطابع غير المسبوق لهذه الأزمات المترابطة، فإن خطاب مؤسسات التنمية متعددة الأطراف ظلّ على نحو لافت دون تغيير يُذكر. فالأزمة تُصاغ باعتبارها “مخاطر”، والاضطراب باعتباره “تقلبًا”، والنزاع باعتباره “صدمة خارجية” لأنظمة يُفترض أنها مستقرة في الأصل.
إن هذا النهج القائم على “استمرار الأعمال كالمعتاد” يتعامل مع النظام الاقتصادي العالمي بوصفه نظامًا محايدًا، ومع آثاره السلبية باعتبارها موزعة بشكل عام ومتساو.
غير أن هذه الأنظمة ليست محايدة، كما أن تبعاتها لا تُحمَل بشكل متساوٍ، وفي زمن تخفيضات الميزانيات الحكومية وسياسات التقليص، تصبح المساواة الجندرية غالبًا أولى الضحايا. إذ تُضعف أنظمة الحماية الاجتماعية، ويصبح العمل الذي يُبقي الأسر والمجتمعات قائمة أكثر خفاءً، حتى في الوقت الذي يصبح فيه أكثر ضرورة. فالنساء لا يتأثرن بالأزمة فحسب، بل يُنتظر منهن أن يحملن عبئها.
ولهذا السبب، يجب فهم إصلاح البنية المالية الدولية باعتباره، في جوهره، قضية نسوية؛ ليس بوصفه مسألة إدماج أو تمثيل، بل باعتباره سؤالًا يتعلق بكيفية توزيع السلطة، والموارد، والمخاطر داخل الاقتصاد الدولي.
فالنظام الحالي لا يتشكّل فقط بفعل اللامساواة البنيوية بين البلدان، بل يعيد أيضًا إنتاج اللامساواة داخلها. وعندما تُدفَع الدول نحو سياسات التقشف، تُنقَل الكلفة بشكل ممنهج إلى الأسر والمجتمعات، حيث تتحمل النساء العبء الأكبر بصورة غير متكافئة.
إن القيود المالية، وأعباء الديون، والشروط المرتبطة بالسياسات الاقتصادية، والتي تُترجم مباشرة إلى تقليص الإنفاق العمومي، تؤدي إلى إضعاف أنظمة الحماية الاجتماعية، وزيادة الاعتماد على أعمال الرعاية غير المؤدى عنها أو منخفضة الأجر، والتي تتحملها النساء بشكل غير متناسب.
وتُقدَّر مساهمة النساء بأكثر من ثلاثة أرباع أعمال الرعاية والعمل المنزلي غير المؤدى عنه على مستوى العالم(1). وبهذا المعنى، فإن النظام المالي الدولي لا يكتفي بالاستجابة للأزمات، بل يؤثر أيضًا في كيفية معايشتها. ولذلك، فإن الإصلاح لا يتعلق فقط بجعل النظام أكثر شمولًا، بل أيضًا بمواجهة الشروط التي تسمح له بالاستمرار كنظام غير متكافئ.
وتقع مسألة الديون في صميم هذه الديناميات. ففي العديد من البلدان النامية، ما تزال أعباء الديون المتصاعدة تقيّد الحيز المالي، وتحدّ من قدرة الحكومات على الاستثمار في الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم. ويتفاقم هذا الضغط بفعل الانخفاض التاريخي بنسبة 23.1٪ في المساعدات الإنمائية الرسمية خلال عام 2025. (2)
وقد استجابت مؤسسات التنمية متعددة الأطراف لهذا التراجع عبر افتراض واضح مفاده أن التمويل الخاص سيملأ هذا الفراغ. غير أن الوصول إلى رأس المال الخاص يظل غير متكافئ ومكلفًا، كما يُرجّح أن تستمر وكالات التصنيف الائتماني في معاقبة البلدان التي تواجه مستويات مرتفعة من المخاطر، خصوصًا في أفريقيا.
كما أن استثمارات رأس المال الخاص في مجالات الإنفاق الاجتماعي تُدار بمنطق الربح، وهو ما يرفع كلفة الإنفاق الاجتماعي على الأسر والحكومات. وسيؤدي ذلك إلى إعادة إنتاج الحلقة المألوفة في نظام الحوكمة العالمية، حيث تكون البلدان الأكثر احتياجًا للتمويل هي الأقل قدرة على الحصول عليه بشروط عادلة ومستدامة، لتتحمل البلدان النامية تبعات حرب لم تكن من صنعها.
إن المبادرات الأخيرة، مثل إطلاق “منصة المقترضين”، تعكس إدراكًا للحاجة إلى إعادة التوازن لهذه الديناميات، من خلال إتاحة مساحة أوسع للدول المدينة للمشاركة بشكل أكثر فاعلية في صياغة شروط التمويل وإعادة الهيكلة. غير أنه، من دون تغييرات جوهرية في كيفية هيكلة الديون والتفاوض بشأنها وتسويتها، فإن الاختلالات البنيوية الكامنة في النظام مرشحة للاستمرار.
إن معالجة هذه الاختلالات تتطلب أكثر من تدخلات جزئية أو محددة الهدف؛ فهي تستدعي إعادة تفكير جذرية في كيفية تصميم السياسات الاقتصادية الكلية وتقييمها. ويجب دمج المقاربات المستجيبة للنوع الاجتماعي في جميع مجالات الحوكمة الاقتصادية، مع جعل الرعاية الركيزة المركزية لهذه المقاربات.
ويقدّم “التزام إشبيلية”، الوثيقة الختامية للمؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية ، أساسًا لهذه المقاربات. ففي الفقرة 27، يلتزم “التزام إشبيلية” بدفع الدول نحو اعتماد ميزانيات مستجيبة للنوع الاجتماعي، وتعزيز النقاشات حول السياسات الضريبية المستجيبة للنوع الاجتماعي، باعتبار ذلك جزءًا من الجهود الرامية إلى تقوية الأنظمة المالية وتعزيز التنمية المستدامة (3).
وتكمن فرصة محورية لمعالجة هذه الاختلالات البنيوية في الجهود الجارية لإرساء اتفاقية إطارية للأمم المتحدة بشأن التعاون الضريبي الدولي، وهو ما يعكس الاعتراف العالمي المتزايد بالدور الذي يمكن أن تؤديه ضرائب الثروة في توفير المنافع العامة وتقليص اللامساواة (4)، لا سيما اللامساواة الجندرية. فالهياكل الضريبية التراجعية تميل إلى تحميل الأسر ذات الدخل
المنخفض عبئًا غير متناسب، والنساء يشكّلن الغالبية ضمن هذه الفئات.(5)
ومن خلال إدماج اعتبارات مستهدفة ومستجيبة للنوع الاجتماعي، يمكن لاتفاقية ضريبية أممية أن تشكل خطوة مهمة نحو مواءمة الأنظمة المالية العالمية مع الأهداف الأوسع للعدالة والمساواة والعدالة الاقتصادية للنساء. وقد يشمل ذلك الاعتراف بالتأثيرات المتباينة للسياسات الضريبية، ومعالجة الانحيازات الجندرية البنيوية، وضمان توجيه الإيرادات الضريبية نحو تعزيز أنظمة الرعاية والحماية الاجتماعية.(6)
إن مستقبل المساواة الجندرية لن يتحدد بالمفاوضات وحدها، بل بمدى استعداد الدول التي تشكل نظام الحوكمة العالمية لمواجهة اللامساواة التي يواصل هذا النظام إعادة إنتاجها. لقد أظهرت اجتماعات الربيع لعام 2026 ومنتدى تمويل التنمية مرة أخرى حدود الإصلاح التدريجي في مواجهة أزمة بنيوية. ومن دون تحول في كيفية توزيع السلطة والموارد والمخاطر، سيظل الإصلاح تدريجيًا ومحدودًا، وسيستمر عبء الأزمة في السقوط على كاهل أولئك الأقل قدرة على تحمّله.
2 –
3- https://unctad.org/system/files/official-document/aco
4- https://www.cesr.org/building-blocks-for-change-reflections-on-ffd4-and-the-compromiso-de-sevilla
5-
https://www.cesr.org/building-blocks-for-change-reflections-on-ffd4-and-the-compromiso-de-sevilla/