من اقتصاد الاستخراج إلى السيادة: لماذا تمثّل سانتا مارتا لحظةً مفصلية الآن
هذا الأسبوع، تجتمع الحركات الاجتماعية والنقابات والشعوب الأصلية والمنظمات النسوية وحكومات من مختلف أنحاء الجنوب العالمي في سانتا مارتا في كولومبيا للقيام بما تجنّبه النظام المناخي الدولي لعقود: تعريف ما يعنيه فعليًا الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري.
ليس خطابًا سياسيًا عامًا.
وليس انتقالًا تدريجيًا تقوده الأسواق.
بل انتقالًا سياسيًا بامتياز.
ينعقد المؤتمر الأول للانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري في لحظة يُعاد فيها تسليح الطاقة عالميًا. بالهجمات الأمريكية-الإسرائيلية المستمرة على إيران تذكّرنا بأن النفط لم يكن يومًا مجرد مصدر للطاقة، بل أداة للعقوبات، والتحكم في طرق الشحن، والتضخم، والتصعيد العسكري، والضغط المالي العالمي. وكل أزمة جديدة تكشف مدى عمق اعتماد الاقتصاد العالمي على الوقود الأحفوري.
في هذا السياق، يطرح اجتماع سانتا مارتا رؤية مختلفة: أن إنهاء الاعتماد على الوقود الأحفوري ليس فقط ضرورة مناخية، بل شرط أساسي للسيادة والسلام والعدالة الاقتصادية.
بالنسبة لمنطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا، هذا ليس نقاشًا نظريًا. فقد جرى التعامل مع اقتصادات العقود باعتبارها مناطق استخراج وممرات طاقة وأدوات مساومة جيوسياسية. لم تُصمَّم أنظمة الطاقة لتلبية احتياجات الناس، بل لخدمة التصدير والسيطرة وإعادة إنتاج الديون. لذلك فإن الانتقال هنا لا يمكن أن يكون تقنيًا فقط، بل يجب أن يكون تحوّلًا هيكليًا.
ولهذا السبب، تعلن الحركات اليوم، خلال قمة الشعوب للمجتمع المدني في سانتا مارتا، بيانًا مشتركًا يدعو إلى انتقال سريع وعادل ومنصف بعيدًا عن الوقود الأحفوري، بيان يتحدى مباشرة السرديات التي ما تزال تهيمن على السياسات المناخية الدولية.
ويتضمن البيان مطالب واضحة:
أولًا، وقف فوري لأي توسّع جديد في مشاريع الفحم والنفط والغاز في جميع أنحاء العالم.
ثانيًا، تنفيذ خروج سريع ومتدرّج من الوقود الأحفوري، بحيث تتحمّل دول الشمال العالمي المسؤولية الأكبر وتتحرك أولًا، مع توفير التمويل اللازم لانتقال دول الجنوب العالمي.
ثالثًا، الاعتراف بأن تمويل المناخ ليس منحة أو مساعدات، بل سداد لدين مناخي تاريخي، ويجب أن يكون تمويلًا عامًا ويمكن التنبؤ به وغير قائم على الديون.
رابعًا، رفض الحلول الزائفة مثل أسواق الكربون والتعويضات الكربونية والطاقة الحيوية واسعة النطاق والغاز باعتباره “وقودًا انتقاليًا”.
خامسًا، إلغاء الديون غير المشروعة وإزالة القيود الهيكلية — بما في ذلك قواعد التجارة وآليات حماية المستثمرين — التي تمنع الدول من الخروج من الاعتماد على الوقود الأحفوري.
وأخيرًا، التحول نحو أنظمة طاقة متجددة لامركزية وخاضعة للملكية العامة، تعتبر الطاقة حقًا وليست سلعة.
تعكس هذه المطالب توافقًا متزايدًا بين الحركات الاجتماعية على أن الانتقال لا يمكن أن يعيد إنتاج نفس النموذج الاستخراجي تحت مسمى أخضر جديد.
ومع ذلك، وحتى في فضاء يُفترض أنه يقوده الجنوب العالمي، ما تزال أوجه عدم المساواة واضحة. فقد تعذّر على العديد من منظمات القاعدة الشعبية من أفريقيا وآسيا ومنطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا المشاركة بسبب القيود المرتبطة بإجراءات التأشيرات. وهذه ليست مسألة إجرائية فقط، بل تعكس اختلالًا أعمق في من يملك حق تشكيل القرارات المناخية العالمية ومن يتم استبعاده منها — حتى داخل فضاءات الانتقال في الجنوب العالمي نفسه.
ومع ذلك، تمثل سانتا مارتا لحظة تحوّل مهمة.
ففي وقت توسّع فيه الحكومات استثمارات الغاز باسم “الأمن”، وتعيد فيه الشركات تقديم الاستخراج باعتباره حلًا مناخيًا، تقول الحركات المجتمعة هنا شيئًا مختلفًا:
الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري ليس مسارًا تقنيًا.
بل هو صراع سياسي.
والجنوب العالمي لم يعد ينتظر دعوة للمشاركة في تعريفه.